العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

كان ضيفاً مريحاً

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

في الثمانينيات حل يوسف الفيصل (أبو خلدون) ضيفاً عليّ في براغ لمدة يومين. كان في طريقه من موسكو لدمشق، ولأن خالد حمامي (ممثل الحزب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية) كان خارج براغ، نزل أبو خلدون عندي. ما إن علمت بقدومه حتى أصابني نوع من الارتباك والرهبة من الضيف القادم. بدأت تتوارد على ذهني العديد من الأسئلة: في أي غرفة سينام؟ ماذا عن الطعام؟  كيف سنتدبر مسالة التنقل وليس لدي سيارة وأقيم بعيداً نسبياً عن مركز المدينة؟ نبهت ابنتيّ الصغيرتين ألا تحدثا أية ضجة أثناء وجود الضيف. بكلمة استنفرت أنا واستنفرت العائلة كلها في التحضيرات.

بعد وصوله سألت ضيفي: ماذا سنفعل غداً؟ أجاب سنتجول في براغ القديمة. رفض أن أستأجر تكسياً فاستخدمنا الحافلة الكهربائية (الترام) رقم 24 أو ،26 لم أعد أذكر تماماً. تجولنا في شوارع براغ الجميلة أكثر من ساعتين، تحدث خلالها أبو خلدون عن عمله وإقامته السابقة في براغ، وعلمت لأول مرة أن ولده خلدون ولد هنا. جلسنا في مقهى (سلافيا) الشهير.

اقترحت عليه أن نتناول الغداء في أحد مطاعم براغ، رفض قائلاً: (الأفضل أن نعود إلى البيت ونأكل مع عائلتك).

جلسنا مساء في شرفة المنزل ودار حديث عن أم خلدون وسوسن ومها وفراس، وعن بعض الأصدقاء والرفاق. سألنا عن معيشتنا وأحوالنا في براغ.. تحدث مع أولادي وداعبهم قليلاً.. استيقظ ضيفي صباح اليوم التالي باكراً. وبدأ بعد بعض التمارين الرياضية، بكتابة تقرير للحزب عن زيارته لموسكو، التي لم أعرف مضمونها. أذكر أنني سألته عما إذا كان ينوي كتابة مذكراته، فأجاب (همّي الأول الآن أن يُكتَب تاريخ الحزب، وثمة لجنة مكلفة بذلك، بعدئذ أفكر بالمذكرات).

شعرت منذ الساعات الأولى للزيارة أنني كنت مبالغاً في (استنفاري) إذ اكتشفنا الوجه الآخر لأبي خلدون، غير ذاك الذي في أذهان البعض على أنه لايمزح و(لا يضحك للرغيف السخن).. لدرجة أن زوجتي لامتني بعد الزيارة قائلة: (لم يكن قلقك مبرراً، لقد كان ضيفنا مريحاً للغاية.. وتعاملت معه كأحد الأقرباء).

شريط طويل من الذكريات والحوادث حاولت أن أركز على واحدة منها، كي ألقي الضوء على أبي خلدون، الإنسان قبل القائد الحزبي والوطني.

رحلتَ عنا أبا خلدون، ورفاقك يتذكرون حديثك السياسي الذي كنت تلقيه في مختلف المناسبات: تتحدث بلا ورقة، أفكاراً مرتبة، تعابير واضحة ومفهومة للفلاح كما للمثقف.

رحلت والوطن والحزب يمران بمرحلة صعبة ومعقدة تحتاج إلى قادة محنكين..يراودني الآن تعبير استخدمتَهُ في إحدى مقابلاتك الصحفية أوائل السبعينيات خلال أزمة الحزب الأولى إذ قلت: (لقد تعب بعض الرفاق). وهناك الآن فعلاً من تعب من النضال وأضاع البوصلة.. غادر إلى مواقع أخرى.. والبعض باع تاريخه بثمن بخس.. لاأدري ماذا كنت ستقول لهؤلاء لو كنت بيننا؟

ولكن نمْ قرير العين أبا خلدون، لأن سيفك الدمشقي مازال ممشوقاً وبأيد أمينة دفاعاً عن الشعب والوطن. الكثيرون من رفاقك ومن وطنيي الوطن ويسارييه يتابعون الطريق دون كلل أو تعب، من أجل غد أفضل وأجمل لسورية، يتابعون نضالهم رغم صعوبة الطريق ووعورته، لأن هذا هو القدر الذي اختاروه بأنفسهم.

في ذكرى رحيلك الأولى، ننثر فوق ثراك ورداً جورياً شامياً أحمر كرايتك، ونردد: كان رحيلك ثقيلاً علينا، ولكن تلك هي قوانين الحياة.. سيبقى اسمك خالداً في ذاكرة الحزب والوطن.

تمت قراءته 14400 مرات