العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

النضال لتحقيق المجتمع المنسجم

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 حاول المصلحون عبر مراحل تاريخية طويلة، وفي مناطق عديدة، إقامة الانسجام بين الناس وجعلهم سواسية! إلا أن وقائع الحياة كانت تفيض باختلاف المصالح، مما جعل المجتمعات منقسمة إلى طبقات وفئات غير منسجمة، بل متناحرة في أغلب الأحيان.

وقبل أكتوبر الذي نحتفل بذكراه المئوية، قد تحقق إدراك عدم الانسجام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية على أسس علمية، وقد جرى تشخيصه باعتباره الناتج الطبيعي لأسلوب الإنتاج المستند على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ولاسيما الأساسية منها، وهذا يجعل الأقلية المالكة هي التي تستحوذ على الفائض الاقتصادي وتستثمره لصالحها، على حساب فقر الغالبية من جماهير الشعب المحرومة من ملكية وسائل الإنتاج وهذا التمايز هو المحرك للصراع الطبقي التناحري في المجتمعات غير المتجانسة، في الرأسمالية وما قبلها.

وعند مراجعتنا لمشروع البرنامج الذي صاغه المؤتمر الأول لعصبة الشيوعيين (في لندن 6-9 حزيران 1847) نلاحظ أنه قد حدد الهدف الأساسي بـ(تغيير المجتمع، بحيث يستطيع كل فرد من أفراده تطوير مؤهلاته وقواه واستخدامها، بحرية تامة، دون أن يتطاول على الشروط الأساسية لهذا المجتمع (نشرت مجلة الثقافة الجديدة بعددها 187 تموز 1987 ثلاث وثائق للعصبة منها هذا النص أعلاه).

وحدد مشروع البرنامج للعصبة السبيل في تحقيق هذه الغاية عن طريق إلغاء الملكية الخاصة، ولاسيما الأساسية منها، التي ستحل محلها مشاعية الممتلكات، لوسائل الإنتاج، موضحاً أنها لن تقام فوراً (مكان النظام الاجتماعي القائم)، ومعللاً ذلك بـ (أن تطور الجماهير لا يجيز تطبيق الأمور بمراسيم، إنه يرتبط بتطور الظروف التي تعيش فيها الناس، ولذا فإنه يجري بصورة تدريجية)، وتكون البداية بتحقيق (الشروط ومنها الشرط الأساسي الأول) وهو (تحرير البروليتاريا سياسياً، بإقامة النظام الديمقراطي للدولة)، وهي (الدولة الديمقراطية التي تتوفر فيها لكل حزب إمكانية كسب الأكثرية إلى جانبه)، كما جاء في افتتاحية العدد الأول من مجلة الشيوعية، الذي صدر في أيلول 1847.

وقد طالبت افتتاحية مجلة الشيوعيين الكادحين ومن يمثلهم من المفكرين بالكف عن الخلافات حول تفاصيل المواصفات للمجتمع الجديد، وترك الأمر لمن سيقومون ببنائه، وإلى نبذ فكرة حرق المراحل، إذ لا يمكننا أن ننتقل في يوم من الأيام من المجتمع غير المنسجم إلى المجتمع المنسجم، فهذا يتطلب مراحل انتقالية تطول أو تقصر وفقاً للظروف، والملكية الخاصة لا يمكن أن تتحول إلى ملكية عامة، إلا بصورة تدريجية).

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1917 تحررت البروليتاريا سياسياً على سدس الكرة الأرضية، وأقامت لأول مرة في التاريخ دولتها الديمقراطية المتجهة صوب الاشتراكية، وفتحت الإمكانيات لغالبية الشعب للمشاركة في قيادة الاقتصاد والمجتمع.

وقامت القوى الرأسمالية ومن تعاون معها في الداخل والخارج بمحاولة وأد هذه التجربة بالعنف المسلح، وذلك لتكرار النهاية المأساوية لكومونة باريس التي أسقطوها بالعنف المسلح، وهذا الحال قد اضطر البروليتاريا لمواجهة الأعداء، والمحافظة على المكاسب المتمثلة بتحررها السياسي والاقتصادي، ومن أجل أن يظل هذا الطريق الجديد سالكاً للبشرية جمعاء، يوفر لها الإمكانية في سعيها لإقامة الانسجام في العلاقات البشرية وكذلك في علاقة البشر مع الطبيعة.

وهكذا صارت بلدان أخرى قد اختارت الطريق ذاته نحو بناء المجتمع المنسجم، مع مراعاة خصائص كل بلد، والمرحلة الانتقالية والتطورية التي انطلق منها.

صحيح أن السلطة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، ومن ثم في بلدان المنظومة المتجه نحو الاشتراكية قد استطاعت بالقوانين التي أصدرتها (تأميم، إصلاح زراعي، وما شابه ذلك) وبسياساتها وخططها الاقتصادية لتصنيع وكهربة البلاد، وتعميم العمل التعاوني في الزراعة وغيرها، وبالإجراءات التعليمية والثقافية والاجتماعية التقدمية المتعددة الأخرى، استطاعت أن تقضي على تناحر المصالح، إلا أنها لا تمتلك مفتاحاً سحرياً لفتح باب المجتمع المنسجم، الموحد للمصالح في هذه المرحلة من تطور القوى المنتجة، ومن تطور إنتاجية العمل المنتج، بالمقارنة مع ما يماثلها على الصعيد العالمي.

واستكمالاً لهذه الجهود التي اختزلت طرق التنمية وعممت ثمارها على المشاركين في إنجازها، وخلصت الكادحين من شبح البطالة، وكان ينبغي الاستمرار في تعلم فنون إدارة الاقتصاد المخطط وكيفية ممارسة السياسات الاقتصادية التي تستند على أساس المعرفة العلمية للقوانين الاقتصادية الموضوعية التي تحكم مجرى التطور في المجتمع.

 إن الإدارة التي تستخدم أداة التخطيط المرن بنجاح يفترض بها أن تكون هي التي تمتلك القدرة على التشخيص الدقيق لإمكانيات المرحلة المعنية من التطور، والمهارة على التشخيص لمحدداته وآفاقه وسبل الوصول إليه بأقل تكلفة ممكنة، وبأقل وقت ممكن، وبتعظيم النتائج الملموسة لتأمين الحاجات الأساسية وفقاً للمصالح الجماعية والفردية.

لقد دخلت هذه التجربة في صراع مرمر من داخل المجتمع وخارجها، واستطاع النظام الرأسمالي الإمبريالي أن يجرها إلى الحروب المدمرة وإلى سباق التسلح الذي أجهض مشاريعها التنموية.

الحديث عن مقوّضات النظام الاشتراكي مازال مفتوحاً وفيه اجتهادات كثيرة، ليس لجلد الذات فيما حصل، وإنما للاستفادة من الدروس الماضية، ولتوضيح الطريق نحو الحلم الإنساني، أي بناء المجتمع المنسجم، فما هو مضمون الاشتراكية لمستقبل متغير؟ وما هو شكلها؟ يبشرنا العلم دوماً بمنجز جديد. 

تمت قراءته 59 مرات