العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

ماركس..إنجلز.. لينين.. وأكتوبر

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 صحيح أن ثورة أكتوبر الاشتراكية عام ،1917 أصبحت في ذمة التاريخ، بعد سبعين عاماً من النجاحات والإخفاقات، كان العالم خلالها يتوجه بأنظاره إلى مجتمع جديد، تقوده البروليتاريا.. وحزب من طراز جديد، لكن الصحيح أيضاً أن دروس هذه الثورة.. وجوهر المجتمع الجديد الذي أسسته، مازالت تستأثر باهتمام المفكرين.. والباحثين.. وجميع الطبقات والفئات الاجتماعية التي تتعرض للظلم السياسي والاجتماعي، وذلك بهدف إيجاد السبل لتحقيق المجتمع الخالي من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. فرغم كل المحاولات التي يبذلها منظرو الرأسمالية لإضفاء الطابع الشعبي على منجزاتها وتطور البلدان السائرة في ركابها، ما يزال النظام الرأسمالي المسبب الرئيسي للأزمات المعيشية والاجتماعية... وما يزال السبب الأبرز للفقر... وللحروب القارية ولسيطرة طغم مالية تستغل ليس فقط جهود العمال وعرقهم، في مختلف البلدان الرأسمالية والدول النامية المرتبطة بها، بل تتسبب بصورة دورية بأزمات اقتصادية واجتماعية تنجم عنها مآسٍ ونكبات تصيب البشرية جمعاء. لذلك نرى أن على الشيوعيين في العالم أجمع تقديم نظام اقتصادي اجتماعي بديل، عادل... يوزع الثروات وفق مبادئ جديدة تستند إلى مساهمة الكتلة الشعبية الكبرى في إنتاج الخيرات... نظام ينتفي فيه استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وسيطرة طبقة اجتماعية على أخرى، نظام يصون حريات الجميع، عبر نضال سياسي متعدد الأشكال وبالطرق السلمية وغيرها من الأشكال بعد نضوج الشروط الموضوعية والذاتية للتغيير.

في(الإيديولوجيا الألمانية) وضع (ماركس وإنجلز) لأول مرة المقدمتين الماديتين للثورة الشيوعية: القوى المنتجة التي تصل في تطورها إلى تلك الدرجة التي تتحول فيها إلى قوة محطمة، وحزبها، اللذين حمّلهما ماركس مهمة القيام بالثورة الشيوعية.

 (الثورة ضرورية ليس فقط لاستحالة إسقاط الطبقة السائدة بوسيلة أخرى، بل لأن الطبقة المسقطة يمكنها في الثورة فقط أن ترمي عن نفسها كل القذارة القديمة وتصبح قادرة على خلق الأساس الجديد للمجتمع).

الثورة ضرورية.. في أي بلد يمكنها أن تنتصر؟

في (الإيديولوجيا الألمانية) و(البيان الشيوعي) تتطابق آراء ماركس حول هذا الموضوع. إن الصناعة الكبيرة في إيجادها السوق العالمية قد ربطت شعوب الكرة الأرضية بعضها ببعض، وخاصة الشعوب المتمدنة، بحيث أصبح كل واحد منها مرتبطاً بما يحدث للآخر، إضافة إلى أن الصناعة الكبيرة ساوت التطور الاجتماعي في جميع البلدان المتحضرة بحيث أصبحت البروليتاريا والبورجوازية في كل مكان طبقتين حاسمتين في المجتمع، والصراع بينهما هو الصراع الرئيسي، ولهذا فإن الثورة الشيوعية لن تكون ذات صفة وطنية في نطاق بلد واحد فقط، بل تحدث في جميع البلدان المتحضرة في الوقت نفسه.. أي على الأغلب في إنكلترا وفرنسا وألمانيا (في ذلك الوقت).

لينين والماركسية

لا شك أن لينين كان واحداً من بين أكثر الذين فهموا ماركس وخاض في سبيل إثبات فهمه هذا سجالات بارزة ضد المنظّرين الآخرين في الحركة الاشتراكية العالمية، وفي هذه النقطة بالذات تبرز أهمية دراسة لينين.

لقد أراد لينين وضع الواجهة النظرية لنظام سعى لإقامته بكل ما يتصف به الثوري الحقيقي من صلابة وجرأة.. ومغامرة أيضاً، فمن خلال المواضيع التي بحثها استناداً للماركسية، والتي تنوعت بدءاً بتأسيس حزب من طراز جديد، والمرحلة الانتقالية، وملكية البورجوازية الصغيرة مروراً بالتحضير للانتفاضة، وانتهاءً بالدفاع عنها، ووضع الخطط لتغيير وجه روسيا اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ومن ثم نصائحه الأخيرة لصيانة الثورة، من خلال هذه القضايا نكتشف إصرار لينين على وضع القواعد التي تتناسب مع الوضع الزمني الذي تمر به روسيا.

 لقد أعطى لينين لبناء الحزب أهمية من الدرجة الأولى، ووضع لهذا الحزب نظاماً متميزاً عن سائر الأحزاب الأخرى نظراً للمهمة التي سيكلف بها، والتي ستختلف بعد حين عن المهام التي وضعت أمام الأحزاب الأخرى. مهمة الاستيلاء على السلطة في روسيا.. قيادة البروليتاريا الروسية لبسط سيادتها وإقامة المجتمع الاشتراكي في روسيا.. في دولة واحدة (ليست متمدنة) بعيداً عن توقعات ماركس. لقد تبين للينين من خلال دراسته للنظام الرأسمالي أن التفاوت في التطور هو إحدى سماته المميزة، وهو ينتج من وجود الإنتاج السلعي ومن طبيعة الملكية الرأسمالية ذاتها، فالمنظم الوحيد للإنتاج في مجتمع تمثل فيه المكاسب الخاصة والربح الدافعين إلى تطوير الإنتاج هو قانون القيمة، ويؤدي هذا القانون في ظروف المضاربة والفوضى في الإنتاج، إلى نمو المؤسسات الاقتصادية بشكل متفاوت، فتزدهر قطاعات وتضعف قطاعات أخرى، فالزراعة تتأخر عن الصناعة بشكل غير متجانس بين دولة وأخرى تبعاً لتفاوت دخول هذه الدولة مرحلة الرأسمالية وتباين المستوى التكنيكي، ومع دخول الرأسمالية مرحلة الإمبريالية تزداد حدة هذا التفاوت وتتحول الدول الإمبريالية إلى ضواري نهمة تبحث عن مناطق نفوذ ومستعمرات وإعادة اقتسام العالم فيما بينها.

مما سبق استنتج لينين عدم إمكانية توفر المقدمات الضرورية لقيام الثورة الاشتراكية في البلدان الرأسمالية (في آن واحد)، واحتمال قيامها في بلد واحد تجتمع فيه عقدة التناقضات، في بلد لا تستطيع فيه البرجوازية بما تملكه من نفوذ ووسائل، تخفيف حدة التناقضات الاجتماعية، في بلد يشكل الحلقة الأضعف في السلسلة الإمبريالية. إنها روسيا.. البلد ذو المستوى المتوسط من ناحية التطور الاقتصادي والمقيد بعلاقات نصف إقطاعية والتابع للإمبريالية العالمية.

 قاد فلاديمير إيليتش لينين الحزب البلشفي، الذي التفت حوله البروليتاريا والأجراء الزراعيون، إلى سدّة السلطة في روسيا، عن طريق انتفاضة مسلحة مستغلاً حالة الغليان التي كانت سائدة فيها حينذاك، بعد سلسة الهزائم التي منيت بها في الحرب العالمية الأولى، وعارض تعميم هذه الصفات (الروسية) على جميع الثورات.

 كتب (لينين) فيما بعد: (سيكون من الخطأ أن نؤكد سلفاً أن ثورات الغد البروليتارية في أوربا تقيد حقوق البرجوازية الانتخابية). فالقوانين العامة للتطور تتغير بتبدل الظروف التاريخية، كما أن الحقيقة من وجهة نظر ماركس تكتسب مضموناً جديداً مع تبدل هذه الظروف.

لقد كان لينين مدركاً تماماً لما احتوته ثورة اكتوبر من صفات روسية محضة استمدتها من ظروف هذا البلد، لذلك لم يلجأ إلى تعميم هذه الظروف، لم يقع في الخطأ الذي وقع فيه (كاوتسكي) حينما حاول تعميم أفكار ماركس خلال مناقشته لثورة اكتوبر، كتب لينين:

حالما تصبح السلطة بأيدي السوفييت فإنهم يستطيعون في الوقت الحاضر- وربما كانت هذه فرصتهم الأخيرة- أن يؤمنوا النمو السلمي للثورة والانتخاب السلمي لنواب الشعب والكفاح السلمي للأحزاب في داخل السوفييت، ووضع برنامج مختلف الأحزاب بالممارسة موضع الاختبار، والانتقال السلمي من سلطة حزب إلى سلطة حزب آخر.

بإعلان العمال بقيادة لينين وحزبه الثورة في أكتوبر 1917 والخروج من الحرب، صانت الثورة حياة ملايين العمال من المذابح الدموية في جبهات الحرب الامبريالية من أجل الهيمنة وتقاسم الثروات، إنها أول من رفعت راية إنهاء استغلال الإنسان للإنسان ومحو الطبقات. وأعلنت أن السلطة في المجتمع ليست بيد الأحزاب، بل بيد مجالس كادحي ومنتجي المجتمع. السلطة بيد الجماهير وليست بيد وكلائها. وأبعدت الدين عن التربية والتعليم، ورفعت راية المساواة التامة بين المرأة والرجل، وأججت عبر ذلك نضالات المرأة في أوربا وأمريكا من أجل حقوقها. ففي الوقت الذي كانت أوربا وأمريكا المتقدمتان تتنكران لحق المرأة في التصويت، كانت كولنتاي، الوزيرة في حكومة السوفييتات، تقر قانون المساواة المذكور. تلقت نساء أوربا وأمريكا زخما هائلاً من أجل إقرار حق التصويت للنساء. في الوقت الذي كانت الحكومة السوفييتية تلغي أي شكل من اشكال التمايز بين البشر، كان السود يغطون في العنصرية في أمريكا ويحرمون من حق التصويت، ويجرَّم زواج البيض والسود. وألغت كل أشكال التمايز بحق الاطفال الذين جاؤوا إلى عالمنا هذا سواء عبر الزواج او خارجه. أقرّت التعليم المجاني، حق التنظيم، حق كل إنسان بغض النظر عن المكان الذي قدم منه أن ينال حق المواطنة، إن أقر بالشروط العادية للمواطنة.

لقد تركت ثورة أكتوبر تأثيرات كبيرة على الحركة المطلبية العالمية والداعية لتحسين ظروف الحياة.

دون ثورة أكتوبر، لم يكن مطلب (يوم عمل من 8 ساعات) أمراً يسير التحقيق. كلنا يعلم كيف كان جواب الطبقة الحاكمة على عمال شيكاغو المطالبين بتحقيق هذا المطلب، لقد أُغرقت تظاهرتهم بدماء المئات منهم عام 1886.

لقد بلغ مستوى معيشة مواطني الاتحاد السوفياتي بحلول عام ،1953 حداً موازياً وأحياناً متفوقاً على مستوى نظرائهم الغربيين. وكان أكثر السكان حظاً في هذا المجال هم موظفو مؤسسات الصناعات الدفاعية، ومكاتب التصميم والهندسة، والمؤسسات العلمية، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والفنانون، والمتطوعون في الجيش، وفقاً لدراسات المكتب المركزي للإحصاء، ومنظمات المجتمع المدني.

وبحلول عام ،1985 احتل الاتحاد السوفياتي المركز الأول في أوربا والثاني في العالم (بعد الولايات المتحدة الأمريكية) من حيث الإنتاج الصناعي والزراعي. وكان متوسط الراتب لعام 1985 في جمهورية روسيا السوفياتية يعادل 199 روبلاً، فيما النفقات الشهرية العادية من دفع السكن والغذاء والنقل والخدمات الضرورية الأخرى لا تتجاوز 50% من الدخل.

لقد وقفت روسيا السوفييتية.. والاتحاد السوفييتي لاحقاً إلى جانب الشعوب المضطهدة، وكان لها الدور البارز في نيل العديد من البلدان المستعمرة استقلالها، وشعبنا في سورية يذكر جيداً التأثير الإيجابي للعلاقات الوطيدة مع الاتحاد السوفييتي منذ عقود على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلادنا.

رغم انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي، ورغم كل الأخطاء والإخفاقات، ستبقى ثورة أكتوبر الاشتراكية منارة لجميع الساعين إلى عالم لا يمتلكه الخمس الثري.. ولا يعرف الظلم.. ويتمتع بالعدالة والكرامة الإنسانية.

**********

المراجع

1 - بشار المنيّر- سكتت يوماً فهل سكتت- دراسات اشتراكية 1994.

2-المصدر: روسيسكايا سميوركا.

3- لينين- الثورة البروليتارية والمرتد  كاوتسكي.

 

تمت قراءته 201 مرات