العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

نقطة انعطاف جذرية في تاريخ النضال التحرري الوطني والاجتماعي في العالم

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 تحتفل البشرية التقدمية هذا العام بالذكرى المئوية لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا القيصرية، تلك الثورة التي تعتبر أول انتصار في التاريخ للعدالة الاجتماعية، ولحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التحرر الوطني في مواجهة النظام العالمي للرأسمالية، كما تعد أهم حدث في القرن العشرين على الإطلاق، الذي انقضى معظمه في ظل الثنائية القطبية، باعتبارها ثورة في النطاق العالمي، ولكونها شكّلت تحولاً جذرياً من العالم القديم الرأسمالي إلى العالم الجديد الاشتراكي، وشملت أثارها وتداعياتها كل أنحاء العالم، واستطاعت تغيير موازين القوى على الساحة الدولية أكثر من سبعين عاماً، وهي فعلاً ثورة من طراز جديد.

لقد انطلقت هذه الثورة من عمق المجتمع الروسي، بمشاركة واسعة من جماهير الفلاحين في الريف، والطبقة العاملة في المدن، ومجموعات واسعة من الفئات الوسطى الحضارية، بقيادة حزب البلاشفة وعلى رأسه فلاديمير إيليتش لينين، وقد ظفر الثوريون بالسلطة السياسية وأنهوا بذلك الحكم القيصري الاستبدادي وطغيان الإقطاعية وكبار الملاكين، وانبثقت من رحم السلطة الجديدة مجالس العمال والفلاحين والجنود (السوفييتات)، ومن ثم قيام الاتحاد السوفييتي في عام 1922.

بدأت ثورة أكتوبر سياستها بإصدار أول مرسوم لها وهو (مرسوم لينين للسلام)، وتحت تأثير هذا المرسوم، انتشرت، في كثير من البلدان الأوربية، حركة جماهيرية تدعو إلى إنهاء الحرب العالمية الأولى فوراً، وقامت في برلين وفيينّا وباريس ولندن وبودابست تظاهرات جماهيرية واسعة مطالبة بإنهاء الحرب وعقد صلح على أساس الشروط التي عرضتها روسيا السوفييتية.

وتوجهت الثورة بنداء إلى جميع المسلمين في روسيا وفي الشرق، عكست فيه طبيعة الثورة وأهدافها.

وألغت الاتفاقيات السرية بعد يوم واحد من قيامها، إذ أعلنت السلطة البلشفية رفضها للدبلوماسية السرية، وقامت بنشر جميع المعاهدات والاتفاقيات، التي عقدتها الحكومة القيصرية مع الدول الكبرى في مرحلة ما قبل الثورة، وكشفها ونقضها، ومنها معاهدة سايكس- بيكو السيئة الصيت، التي بموجبها قسمت بلدان الشرق العربي بعد انهيار الدولة العثمانية إلى دويلات يحكمها الانتداب الفرنسي والبريطاني، وقد كشفت عنها في كانون الأول ،1917 وبذلك فضحت التواطؤ الإنكلو- فرنسي بشأن السيطرة على الأراضي العربية، مما أدى إلى لفت أنظار العرب في فترة مبكرة، كانت خلالها الدول الاستعمارية الكبرى تتآمر وتعدّ المشاريع والاتفاقيات السرية، وغيرها من المخططات لاقتسام البلدان العربية، وساعد ذلك في نمو الشعور الوطني لدى الشعوب العربية، في وقت لم تستطع قيادة الثورة ممثلة بالحكومة السوفييتية أن تفعل كثيراً لمساعدة الحركة الثورية التحررية، بسب الظروف الخاصة التي أحاطت بالسلطة السوفييتية في أيامها الأولى.

وبالرغم من ذلك فقد أكد فلاديمير لينين، أهمية تقديم كل ألوان المساعدة للكفاح الثوري ضد الإمبريالية العالمية والعمل من أجل تطور الحركة الثورية، والكفاح الثوري، والمساعدة بالدعاية والتعاطف والعون المادي لهذا الكفاح. وهكذا حظيت الثورات العربية الوطنية التحررية، التي شملت البلدان العربية بعد الحرب العالمية الأولى بتأييد الثورة الاشتراكية ودولتها الجديدة، فقد جاء في وثائق (لجنة الوحدة العربية)، التي أنشئت في سورية عام 1919 (أن العرب يعتبرون لينين ورفاقه والثورة الاشتراكية العظمى، التي قاموا بها من أجل تحرير الشرق من نير الطغاة الأوربيين، قوة عظيمة قادرة على منحهم السعادة والرفاهية).

كما وقفت الحكومة السوفييتية ضد نظام الانتداب الجائر، إذ فضح لينين الجوهر التسلطي الاستعماري لنظام الانتداب حين قال: (نحن نعلم حق العلم أنهم حين يتحدثون عن توزيع المستعمرات، فإنما يعنون توزيع الانتدابات للسلب والنهب، وإعطاء قلة ضئيلة من سكان الأرض حق استثمار الأكثرية من سكان الكرة الأرضية).

ونظراً لأن سورية قد وضعت تحت الانتداب الفرنسي، فقد أثار ذلك الموقف حفيظة فرنسا واعتبرته تدخلاً سافراً في شؤون الدول المنتدبة، التي تقع  تحت سلطة الانتداب، وقد ردت الحكومة السوفييتية في بيان مفوضية الشعب للشؤون الخارجية الصادر في الرابع عشر من آذار 1923 بـ (أن الدول الامبريالية تغطي بشكل كاذب من الشرعية الزائفة تجاوزاتها على حقوق الشعوب الأخرى واستقلالها، على شكل انتدابات يقررها مجلس عصبة الأمم وجمعيتها العامة).

تؤكد الوقائع التاريخية، التأثير الذي أحدثته ثورة أكتوبر في البلدان المستعمرة ومن بينها البلدان العربية، فقد استلهمت مجموعة من الثورات مثالاً ثورة أكتوبر، وأقام قادة هذه الثورات علاقات مع السلطة السوفييتية وتبادلوا الرسائل مع لينين، فعلى سبيل المثال: بعث لينين برسالة تأييد لإبراهيم هنانو، الذي قاد حركة المقاومة في شمال سورية عام ،1921 واهتمت الحكومة السوفييتية اهتماماً كبيراً بالثورة السورية الكبرى، التي اندلعت في جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش عام 1925 واعتبرتها حركة تحررية ضد الاستعمار الفرنسي.

لقد أصبحت ثورة أكتوبر مدرسة وطنية لكل الأحرار، وأعطت دفعة قوية لتطور النضال التحرري في سورية ومصر والعراق ولبنان وفلسطين، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ شعوب الشرق بأجمعه، ووضعت بداية نهاية النظام الاستعماري، وأطلقت عصراً جديداً، عصر الثورات التحررية الوطنية في البلدان المستعمرة، وقد احتجت بلاد ثورة أكتوبر على ضرب فرنسا لدمشق والمدن السورية الأخرى بالطائرات عام ،1943 بالرسالة التي أرسلتها إلى الحكومة الفرنسية، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بسورية دولة مستقلة عام ،1944 وأقامت علاقات دبلوماسية بعد جلاء المستعمر الفرنسي والإنكليزي عام ،1946 وأصرت برغم المعارضة القوية من قبل بريطانيا وغيرها من الدول الأوربية على إدراج سورية في قائمة الدول المؤسسة لهيئة الأمم المتحدة، ودعمت بصفتها عضواً دائماً  في مجلس الأمن الدولي عام 1946 مطلب سورية بجلاء القوات البريطانية والفرنسية من أراضيها.

وأشارت أيضاً إلى النهج الذي يجب أن تنتهجه شعوب العالم من أجل القضاء على الرأسمالية والإمبريالية، التي تلحق الكوارث، بدءاً من البيئة، حتى انتشار الأمراض والفقر والبؤس والجوع والحروب المحلية والإقليمية، وصولاً إلى التهديد بحرب عالمية ثالثة، ولولا ثورة أكتوبر وأثرها الايجابي، لما استطاعت الشعوب المختلفة من تحقيق تقرير المصير وإحداث تغييرات بعيدة المدى في الوعي الجماعي الإنساني، الذي أصبح من غير الممكن إقناعه بإمكانية إحقاق الحقوق المشروعة للطبقات المستغلة، إلا عن طريق النضال الثوري، من خلال النقابات والبرلمانات والحركات الطلابية والنسائية وحركات السلام المناهضة للعولمة المتوحشة وأصولية السوق الحرة، التي تسمى بالليبرالية الجديدة، فقد أظهرت ثورة أكتوبر أهمية وحيوية التضامن الأممي البروليتاري القائم على التضامن الطبقي لكادحي العالم، من خلال تقديم الدعم المادي والعسكري للثورات الاشتراكية في الصين وكوريا الديمقراطية وكوبا وفيتنام، ولقوى التحرر الوطني في بلدان أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

إن ثورة أكتوبر وما أحدثته من تأثير على المستوى العالمي يجعلنا نؤكد مجموعة من الحقائق والعبر رغم انهيار التجربة التي انبثقت عنها، وأهمها: أن الرأسمالية ليست الأمل النهائي للبشرية، وأن سقوط مشروع الاشتراكية لا يعني موت الفكرة ذاتها، وأن أهدافها ومبادئها في العدالة الاجتماعية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق حركات التحرر الوطنية في مواجهة النظام العالمي للرأسمالية والإمبريالية، مازالت باقية ومتجذرة في ظل عالم تهيمن عليه قوة واحدة ظالمة ومتغطرسة ومستغلة، تقوم سياستها على الاستفراد والإقصاء وازدواجية المعايير والتهميش، وما شهدته دول المنظومة الاشتراكية في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، التي استسلمت للبطش الرأسمالي، من التقسيم والبطالة والجوع والأمراض الناتجة عن استخدام المخدرات والانتهاكات غير الأخلاقية وارتكاب الأعمال الدنيئة وفي مقدمتها انتشار المافيا في بلدان الخير والأمان والسلام، وما تشهده حالياً بلادنا سورية والمنطقة العربية، كل ذلك هو خير دليل على السياسة الأقصائية التي تقودها الإمبريالية الأمريكية نتيجة انهيار هذه التجربة. فمنذ غياب الاتحاد السوفييتي عن المسرح السياسي والعالم يعيش في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري.

وهنا لابد من التساؤل: كيف يمكن تصور عالم اليوم لو أن ثورة أكتوبر مازالت حصناً للاشتراكية وقلعة قوية للتصدي للمشاريع الاستعمارية والإمبريالية؟ ترى هل كانت تجرؤ الدول الإمبريالية على إحداث هذا الخلل في التوازنات الدولية، والمضي بسياسة القطب الواحد؟!

بغض النظر عن هذا الوضع المأساوي، الذي يمر فيه عالمنا، فإن البشرية لن تنسى أبداً أكتوبر العظيم، الذي كان نقطة انعطاف جذرية في تاريخ العالم، والذي سيظل مضيئاً على الدوام في هذا التاريخ العاصف المليء بالتناقضات الدولية وخرق القوانين وتجاوز سيادة الدول وعدم احترامها.

إن مجرد استذكار هذه الثورة المجيدة، إنما يعني أن بريق الكفاح من أجل التحرر الوطني والنضال ضد الاستغلال والظلم، مازال يرفرف رغم كل الضجيج المفتعل بنهاية الإيديولوجيا، وأن ذكراها ستبقى خالدة أبداً، فمن دونها لجرى التاريخ في مسار مختلف بالرغم من التناقضات التي نشهدها ونعيشها، فهذه الثورة وتأثيراتها لاتخص الماضي فقط بل المستقبل، فمازالت تشكل تهديداً فعلياً وواقعياً لخصومها في العالم الرأسمالي.

وقد صدق جون ريد في كتابه عشرة أيام هزّت العالم عندما كتب: (كانت ثورة مغامرة ولكنها إحدى أروع المغامرات التي سبق للإنسانية أن أقدمت عليها، مغامرة اقتحمت التاريخ على رأس الجماهير الكادحة، وراهنت بكل شيء في سبيل تحقيق رغبتها الواسعة والبسيطة، ومهما يكن رأي الناس في البلاشفة فلا جدال أن الثورة الروسية أعظم الأحداث في تاريخ البشرية).

 

تمت قراءته 68 مرات