العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

عاش ومات نظيف الفكر واليد

قييم هذا الموضوع
(6 أصوات)

ترى هل من الممكن الكتابة بسهولة عن مناضل وطني مثل يوسف الفيصل؟ هل من الممكن الإحاطة في مقالة من بضعة أسطر بحياة شخصية تركت بصماتها على الحزب الشيوعي السوري وتطور الوطن؟ إنها لعمري مهمة شاقة.

كتب يوسف فيصل بعضاً من سيرة حياته بيده، مازجاً فيها بين العام والخاص. لكن ثمة جوانب عديدة أخرى في حياته ونضاله تحتاج إلى تسليط الأضواء عليها، وتلك - باعتقادي - مهمة رفاقه الذين عملوا معه في فترات مختلفة، سواء كانوا داخل الحزب أم خارجه. إن الكتابة عن يوسف الفيصل هي جزء من الكتابة عن تاريخ الحزب الشيوعي السوري وسورية ؛ ذلك أنه عاصر مسيرة الحزب وتطورات الوطن أكثر من نصف قرن.

انطلقت مسيرة يوسف الفيصل النضالية من حي شعبي عريق في حمص العدية لأسرة كريمة. ناضل في سبيل كرامة الإنسان وحرية الوطن وتقدمه، ولقي بسبب ذلك صعوبات جمة. عرفته سجون الوطن في فترة الديكتاتوريات كما ذاق مرارة التشرد والملاحقات. لم يتجاوز عمره ال 25 عاماً عندما أصيب أثناء دفاعه ورفاقه عن مكتب الحزب الشيوعي عندما هاجمه الإخوان المسلمون، بعد صدور قرار تقسيم فلسطين. تنقل أبو خلدون وعمل خلال نصف قرن من النضال بين دمشق، وبيروت، وبراغ، وبودابست وموسكو. مثّل الحزب الشيوعي السوري في منظمات دولية: اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، مجلس السلم العالمي، كما حضر مؤتمر باندونغ ومؤتمر البلدان الآسيوية في نيودلهي. وساهم في العديد من المؤتمرات العالمية. وقد قُلّد العديد من الأوسمة تقديراً لنضاله. شغل منصباً وزارياً كما مثل الحزب في قيادة الجبهة، إضافة إلى تدرجه في المناصب الحزبية، آخرها رئيساً للحزب. له العديد من المقالات والمساهمات الفكرية.

امتاز يوسف الفيصل بسرعة البديهة، وكان مرتب الأفكار، متقد الذهن لدرجة وصفته مجلة (الصياد) اللبنانية في أواسط سبعينيات القرن الماضي ب (العقل الإلكتروني للحزب). كان يعمل بلا كلل، فهو أول القادمين إلى مكتب الحزب وآخر المغادرين، وقد تمتد ساعات عمله أحياناً لأكثر من 15 ساعة في اليوم.

كان بارعاً في العمل العلني كما السرّي. روى مرة كيف تخفّى عندما كان ملاحقاً في فترة العمل السري في بيت قريب جداً من مركز أحد الأجهزة الأمنية الذي كان يلاحقه.

كان من الصعب جداً أن تجد الحد الفاصل بين حياته الشخصية وعمله السياسي لدرجة ينتاب المرء شعور بأن لا حياة خاصة له. وثمة من يأخذ عليه أنه لم يحقق توازناً بين واجباته تجاه عائلته وعمله السياسي. كان أبو خلدون يفضل مواقفه الفكرية على علاقات القرابة.

لكن رغم ماقد يبدو على أبي خلدون من حزم وصرامة وجدية مفرطة في بعض الأحيان، إلا أنه كان يملك وجهاً آخر في حياته العائلية والاجتماعية رغم ضيق حيزها.

سأورد بعض تلك الجوانب:

- عندما أصيب رفيقه عمر السباعي في أواخر السبعينيات بجلطة دماغية دخل على إثرها أحد مستشفيات موسكو للعلاج، كان أبو خلدون يزوره باستمرار ويبدي تعاطفه معه ويوصي جميع الرفاق بالعناية به، على الرغم من أنهما كانا يخوضان صراعاً حزبياً داخلياً ويقفان في طرفين مختلفين. كان يردد (العلاقات الإنسانية والرفاقية شيء، والخلافات الحزبية شيء آخر).

- عندما صار وزيراً ممثلاً للحزب قال لأصدقاء ابنه خلدون: أرجو أن تبلغوني إن وجدتم أن سلوك خلدون قد تغير مع أصدقائه ورفاقه وصار يتصرف كابن (وزير أو مسؤول)، هذا الأمر مرفوض قطعاً.

 - مرت ابنته الكبرى بأزمة اجتماعية، فوقف إلى جانبها وساندها بكل أبوية وإنسانية، وكان من الممكن ملاحظة الجانب الآخر في شخصيته.

لكن رغم أن عمله السياسي الذي كان يستغرق معظم وقته إلا أنه كان يجد فرصة لقضاء سهرة مع أصدقائه، وكان حضوره يملي على الجلسة طابعاً من المرح واللقطات الذكية.. يطرب لسماع فيروز أو شعر غزل ويحب البزر الأبيض.

عاش يوسف الفيصل في منزل متواضع في أحد أحياء دمشق الشعبية، ولم يبدله سواء عندما كان مناضلاً حزبياً أو وزيراً أو مسؤولاً في الدولة، ذلك المنزل الذي كان شاهداً على زيارات العديد من المناضلين السوريين والعرب والأمميين.

إنها خسارة كبيرة للحزب والوطن أن يرحل يوسف الفيصل في ظروف صعبة تمر بها سورية، وهي أحوج ماتكون فيها لحنكة وخبرة وإخلاص قادة سياسيين من هذا الطراز.

  عندما أهداني كتابه (ذكريات ومواقف)كتب حاشية جاء فيها: (... تعبيراً عن صداقتنا ونضالنا المشترك) وأنا أكتب هذه الأسطر من المنطلق ذاته.

سيبقى يوسف الفيصل حياً في ضمير حزبه وأصدقائه وشرفاء الوطن، يكفيه أنه عاش ومات نظيف الفكر واليد.

تمت قراءته 69470 مرات