العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

أمي الحضارة.. أمي الإنسان

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

ملائكة الزهر تسبّحُ بتراتيلها أنشودة الحياة المنبثقة من بين ثنايا رحم الأم الخصب الثائر بالمحبة والحنان، المانح لعطايا القيم والإنسانية، منه خلق الإنسان مكوناً حضارات العلم والحرف، كما خلقت الطبيعة آيات جمالها من رحم الأرض، على عرش الكون مدّت ذراعيها محتضنة طفلها الصغير بكل محبة، لتكون الآلهة والقديسة على مرّ العصور.

أمي رسالة الحياة الأولى، التي لم يستطع جهلاء البشر الحاليون ووحوشهم من عرابي الفتاوى القذرة تدنيس مكانتها وطهرها، فهي القلب النابض بالمحبة التي يسمو بها كل إنسان عرف قيم الأخلاق والفكر والإنسانية، الأم هي الأنثى التي يفوح عبير روحها الرحيم في ملكوت السماوات والأرض، فالكلمة أمي والحضارة والوطن أمي، فهي الهوية لعبورنا إلى الحياة.

الأم والمرأة في الحضارات السورية  

يعتبر دور المرأة السورية في المجتمع هاماً وأصيلاً ومركزياً منذ القدم، والعودة إلى المكتشفات الأثرية التي تتيح لنا الاطلاع على معاني المرأة ورمزيتها ونظرة المجتمع إليها وتصوراته الخاصة بها، وذلك من خلال التماثيل التي جُسدت بها، ففي الشرق القديم نجد تماثيل نسائية ترقى إلى الألف الخامسة قبل الميلاد، مثّلت النساء بدينات واقفات أو جالسات، وقد أُبرزت بطونهن ونهودهن بشكل خاص، وكانت الأذرع مثنية ترفع النهود أحياناً، وقد عومل الوجه بشكل مقصود ليظهر مميزاً بأنفه وأذنيه وعينيه المكونة من كرات مائلة ومحزوزة طولانياً، والشكل العام للرأس مثلث، نهايته متطاولة نحو الأعلى وإلى الخلف، والفم عبرت عنه كرة أفقية أو حز بسيط، وهناك حزوز أخرى لإظهار تقاسيم الوجه.

إن الطابع الخاص جداً لهذه التماثيل بعيد عن الواقعية لأنه عمد إلى مبالغة تشكيلية وتحوير للصفات الإنسانية الأنثوية حسب نظام محدد ومتفق عليه ومتطلع نحو تعبير غريب أفضى في الماضي السحيق إلى طقوس عبادة الإلهة الأم وشعائرها.

أما في العصر السومري (الألف الرابعة والثالثة ق.م) تطورت نظرة المجتمع إلى المرأة التي جسدت شكل آلهة معبودة وقامت بدور فعال في مختلف نواحي الحياة، وفي المجتمع الرافدي بشكل عام نجد تماثيل للمرأة تمثلها أماً ومصدراً للحياة. فأحد التماثيل يصور امرأةً إلهةً تنبع المياه من فمها كرمز للخصوبة والحياة، وهناك تماثيل أخرى تمثل المرأة المغنية حاملةً قيثارة.

وفي العصر البابلي، نجد أهم الأمثلة على تصوير المرأة ومكانتها من خلال شريعة حمورابي (1792-1750ق.م) الذي خصّ المرأة بعشرات من القوانين التي تصون حقوقها وتعكس وضعها آنذاك.

وفي الحضارة الكنعانية نجد المرأة الأم والزوجة والملكةً. نجد المرأة التي اقتُبست صفاتها وجُعلت صفاتٍ لإلهاتٍ معبودات يمثلن الخير والعطاء والأمومة والجمال والخصب والحب والحرب، أما عناصر عبادتهن فاشتُقت من طبيعة المرأة وصفاتها المرتبطة بالخصوبة والجمال والأمومة والعطاء والأنوثة الصارخة. والانتساب إلى الأم عند العرب له صلة عضوية بعبادة الإلهة الأم في العصور القديمة.

بعض النقوش الكنعانية يشير إلى مكانة المرأة في المجتمع الكنعاني كزوجة ناجحة يتعلق زوجها بها في الحياة وفي الممات، وأحد المكتشفات يشير إلى دفن رجل وزوجته في مدفن واحد. أما الميثولوجيا الكنعانية فتصور المرأة بأجمل الصور التي يمكن أن توصف بها. وما تقديس الكنعانيين للإلهات المعبودات إلا انعكاس لمكانة المرأة كأنثى وزوجة وأم.

 المرأة والأم اليوم

 كان للمرأة السورية دور فعال في مختلف العصور، فقد أسهمت في نحت معالم الحضارة السورية والعالمية، ويحق لها اليوم أن تفتخر بماضيها وتتجول في أروقة التاريخ والحاضر بثقة وطمأنينة، وتنظر إلى المستقبل بتفاؤل، فلابد من إعادة النظر بالقوانين المدنية وتعديلها بما يحترم حقوق المرأة ويتناسب مع العصر الذي نعيشه، فأغلب القوانين مجحفة جداً بحق المرأة في سورية، فمعظمها لم يتغير وقد وضع فترة الاحتلال العثماني، فما ذاقته المرأة السورية خلال سنوات الحرب وصمودها الذي زاد من مكانتها العالمية أكثر يستحق الوقوف عنده واحترامها كإنسانة وأم لهذا المجتمع الذي خلق من رحمها، فصور التاريخ تضّج ببطولات المرأة والأم السورية التي لم تمّر حقبة من دون أن تسجل اسمها ملكة على عرشها . 

فالمرأة السورية اليوم هي المرأة الأم التي يجب أن يتكرّس دورها ويتبلور في الحياة العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية بعد أن دخلت ميادين الحياة كافة، وعبّرت عن تألقها وفاعليتها في المجتمع، إضافة إلى كونها زوجة وأماً وسيدة تتمتع  ويجب أن تتمتع بالحقوق كافة وتتحصن بثمار الفكر المتفتح الجديد وتعيش مطمئنة في ظل القانون وعنايته بها.

أمهاتنا السوريات الصامدات في وجه عواصف الحرب، المانحات لأرواحنا الحياة بصبركن ودعواتكن، لكُنَّ من قلوبنا تحية إجلال واحترام، لقداستكن ننحني إكراماً ولسموكن نرفع آيات محبتنا تراتيل صلاة في عيدكنّ.. كل عام وأنتنّ العطاء... أنتنّ الحضارة... أنتن الإنسان والإنسانية!

تمت قراءته 144 مرات