العدد:812
تاريخ:25/ 4/ 2018
 

حطام الحرب... سبعة مزامير لإفقار الإنسان وتهجيره!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 تتشرد الكلمات على معابر حدود مدن الإنسانية التي لم يبقَ من جمالها وملكوت حضارتها سوى بقايا لهياكل مدمّرة، وظلال لمن بقي من ساكنيها على قيد الحياة، دمعة عجوز كهل تمسحها ضحكة طفولة مشردة في تلك الشوارع المكفهرة الداكنة التي رسمتها أحقاد الرصاص، من هنا مرّت الحرب اللعينة القاتلة للحياة، الماحية لألوان السعادة، من هنا مرّ ربيعهم الأسود برصاصه وحقده الذي لم يسلم منه حتى الحجر.

سبعُ سنوات بأيامها ولياليها والحربُ بكل أشكالها مازالت مستمرةً على كل مفصل من مفاصل حياة المواطنين السوريين، الذين مازالوا يزرعون زهور الأمل بانتهاء الحرب على جبهة كل فجر جديد، سنة سابعة مضت والوضع المعيشي والحياتي بأسوأ حالاته، والإرهاب الداخلي الذي نتج عن ازدهار الفساد وتجار الحرب، في غياب القانون وضعفه، لم يكن أقل وطأة من الإرهاب الخارجي المسلح، فكلاهما مدمّر للوطن وقاتل للشعب.

مؤشر الفقر يتخطى 87%

تفاقم الفقر في المجتمع السوري خلال سنوات الحرب السبع، فتجاوز حدود 87% وفقاً لمعيار البنك الدولي، بينما كانت نسبة خط الفقر في سورية عام 2010 أقل من 28%، وفق دراسة أعدّتها الأمم المتحدة وشاركت فيها جامعة (سانت أندروز) البريطانية في عام ،2016 ويعود ارتفاع خط الفقر لأسباب كثيرة أهمها تدمير الحرب لأكثر من 60% من البنية التحتية في البلاد، كما انخفضت نسبة العاملين في قطاعي الصناعة والزراعة إلى 17%، بينما تراجعت نسبة العاملين في القطاعات الخدمية 85%، إضافة إلى ضعف أداء حكومات الحرب وقراراتها غير المسؤولة التي زادت من تفاقم الفقر، وأعجزت المواطنين عن تأمين أبسط حقوقهم المعيشية؛ وصور الواقع كثيرة، فما من شارع يخلو من طفل مشرّد يسدّ رمقه من الحاويات، ولا حديقة خالية من أسرة لم تجد مأوى، فافترشت أرض الحديقة والتحفت سماءها. فالتقصير الحكومي خلال سنوات الحرب وضعف الأداء أدّيا إلى تفاقم الكارثة الكبرى بحقّ من بقي من الشعب السوري وهذا ما سنذكر بعضه في المحاور التالية.

الصحة والدواء.. تدني المستوى وارتفاع التسعيرة دون رقابة

تراجع واقع الصحة وصناعة الدواء كثيراً خلال سنوات الحرب، وأصبح تجارياً بسبب غياب الرقابة الرادعة لهذا القطاع الذي فقد قيمته الإنسانية، فكثير من الأطباء تحولوا بفعل الحرب إلى تجار بامتياز بدءاً من أجور المعاينة التي رفعوها من تلقاء أنفسهم للتجاوز 3000 ليرة سورية، بينما لم تعدّل نقابة الأطباء التسعيرة التي هي 750 ليرة سورية ، ولحق بها ارتفاع سعر الأدوية بشكل مستمر، فقد تضاعف سعر الدواء خلال سنوات الحرب 10 أضعاف وأكثر ، وقد فقد سوق الدواء الكثير من العقاقير والأصناف بسبب تراجع صناعة الدواء في سورية، فقد تعرضت الكثير من المعامل للتدمير أو وقعت بأيدي الإرهابيين، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية من الدول الغربية والعربية، وصعوبة الحصول على المواد الأولية الأساسية لتصنيع الدواء، كما تراجعت جودة الدواء بسبب انخفاض جودة المواد الأولية المستوردة من الهند والصين، وبسبب غياب شبه كامل للرقابة من وزارة الصحة، فيقوم منتجو هذه الأدوية بتخفيض النسبة الدوائية الفعّالة فيها.

أما بالنسبة للواقع الطبي فقد تراجع الكادر الطبي في سورية خلال سنوات الحرب السبع كثيراً، بسبب هجرة كثيرين إلى دول الغرب بنسبة تفوق 35 % فقد وصل إلى المانيا وحدها حتى عام 2017 ما يقارب 2100 طبيب سوري، كما تعرض بعض الأطباء خلال الحرب للخطف أو القتل على أيدي المجموعات الإرهابية.

تراجع البنية الفتية للمجتمع السوري بفقدانه لجيل الشباب

فقدت سورية خلال سنوات الحرب معظم بنيتها الفتية التي يشكل الشباب قمة هرمها، فالكثير من شبابها كانوا ضحية الحرب التي لا ذنب لهم فيها سوى أنهم سوريون، معظمهم استشهد في الدفاع عن أرضها ضد ثورة آل صهيون الوهابية، والكثير منهم هرب لاجئاً إلى دول الغرب خوفاً من الحرب لأنه غير قادر على حمل السلاح، وبقي القليل بما يشكل أقل من 25% من جيل الشباب (الذكور) الذي مازال يواجه الحرب التي دمرّت مستقبله وحياته، فلا حقوق للشباب حتى اليوم، والتقصير الحكومي بحق من استشهدوا واقع يتلمسه حتى الطفل الصغير، فلا حقوق لأسرهم ولا لأولادهم سوى ورقة تكريم في كل مناسبة مع خطاب الشهداء الذي عهدناه منذ أيام المدرسة، وهذا السبب بحدّ ذاته جعل بعض الشباب أسرى منازلهم، والبعض هرب خارج الحدود أو يتطلع للخروج بأي طريقة كانت.

التضخم فاق الاحتمالات

يعاني الاقتصاد السوري من خسائر كارثية، نتيجة الحرب التي أدت لتراجع الإيرادات العامة بنحو 65 % بالمقارنة بين موازنة عام 2010 وعام ،2018 وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 30 مليار عام 2017 ، وزادت الديون الخارجية عن 11 مليار دولار، وسجلت نسب هي الأدنى عالمياً، إن لجهة التضخم النقدي بعد تراجع سعر الليرة من 50 ليرة مقابل الدولار عام 2011 إلى نحو 460 ليرة للدولار اليوم، وازدياد العجز في الحساب الجاري لنحو 28% من إجمالي الناتج المحلي للعام الماضي، وتراجع الاحتياطي النقدي من 21 مليار دولار إلى 750 مليون دولار العام الفائت، ويرتفع بالمقابل الدين العام الإجمالي من 30% عام 2010 إلى أكثر من 150% العام الماضي.

الانحلال المجتمعي والأخلاقي بغياب القانون

فقد المجتمع السوري معالم الأمان وبريق الحياة بسبب الحرب التي أفقدته الكثير من قيمه الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، وانتشرت، في ظّل هذه الفوضى، واستشرت الجريمة والدعارة والسرقة وغيرها بنسب كبيرة، وقد سجل عام 2017 وفق إحصائيات وزارة الداخلية ضبط أكثر من 570 جريمة قتل بين المواطنين ما بين عمد وقصد، ويعود سبب ارتفاع معدل الجرائم في سورية إلى الفقر والجهل.

سبع سنوات حرب مضت ولا علاج لحالة الفوضى التي وصلنا إليها اليوم، فهل تقرّ حكومتنا في الفترة القادمة خطتها التنموية، لتزيح الظلم عن الشعب وتحافظ على من بقي في الوطن وتصون كرامته، فمن 23 مليون سوري في 2011 إلى أقل من 10 مليون في 2018 ومزامير الفقر والحرب مازالت تقرع ناقوس المستقبل.

تمت قراءته 163 مرات