العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

الأنظمة المدرسية تحدّ من القدرات الإنسانية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

القمع الممنهج الذي تتبعه الأنظمة المدرسية، في كثير من دول العالم، يعمل على إنتاج كم هائل من النوعية المناسبة لها، لذلك فهي تخرّج أشخاصاً مهووسين، يتملّكهم الخوف من أن يكونوا مخطئين، ومن عدم الحصول على العلامات المناسبة. وقد أكّدت الدراسات النفسية أن 90 % من خرّيجي المدارس يعانون من هذه الحالة النفسية، إذ لا يزال هؤلاء الطلبة على قناعة تامة بأنهم عاجزون عن الوصول إلى القمة والنجاح في أعمالهم، لأن جميع ما يعملونه وإنجازاتهم ارتبطت بالمعدلات التي حصلوا عليها، فالمدارس تعمل دائماً على زرع الفكرة المعروفة اجتماعياًَ: (أنت لست جيداً بما يكفي، أنت لست بالمستوى المطلوب . لكن إذا قمت بتنفيذ ما يُطلب منك دون نقاش، فسوف تتحسّن حالتك وسوف تُكافأ).

وقد زُرعت هذهالفكرة بعمق في عقول90 % من التلاميذ والطلاب المتخرجين في المدارس المختلفة، وهم على استعداد تام للخضوع للأنظمة الاجتماعية، الدينية،الحكومية، وغيرها من أنظمة هرمية تتطلّب هذا النوع من البشر.

هذه المدارس، مهما أظهرت من نظم ومناهج تعليم عصرية، لا تتوافق مع ما نعرفه عن عقل الإنسان وطريقة عمله، وما عرفناه منذ عقود من خلال مراجع كثيرة ما زالت محرّمة على المؤسسات التعليمية، مثل المعرفة بالقيم الإنسانية والثقافات المتعلقة بالجنس والأخلاق، وقد جاء تحريمها بناءً على آراء أشخاص منغلقين فكرياً ومشبعين بالشرائع والعقائد الدينية.
جميع الأبحاث التي أجريت حول طريقة التعليم والتعلّم، أظهرت أننا نستوعب المعلومات أكثر عندما نكون في حالة راحة واسترخاء فكري تام. لكن المدارس ما زالت تزيد من مجهود الطلاب من خلال زرع الخوف من الرسوب والفشل، وبزيادتها للحشو الكمي للمعلومات التي لا تتناسب مع عمليات الإدراك لدى الفرد وعمره، ومثل ذلك الطفل وفق الدراسات النفسية يجب أن يستمتع باللعب لعمر 7 سنوات لكي تكتمل شخصيته ويتعرف إلى محيطه جيداً، ولكن اليوم نقوم بحشو المعلومات برأس الطفل من عمر السنتين وبكم هائل.

كما أشارت الأبحاث إلى أن الأطفال يستوعبون أكثر وأسهل من خلال التعليم التعاوني مثلا التعاون على حل مسالة، لكن المدارس ما زالت تفرض نموذج المنافسة والمزاحمة على تحصيل العلامات، وقد أشارت الأبحاث أيضاً إلى أن إيمان الأطفال بقدراتهم الاستيعابية يساعدهم على استيعاب المعلومات بشكل أيسر وأسهل، فإذا زرعت بداخلهم الإيمان بأنهم أذكياء، فسوف يصبحون أذكياء! وإذا أوحيت لهم بعكس ذلك، فسوف تتحجّر أدمغتهم ويرفضون استيعاب المعلومات بشكل لا إرادي، وهذا ما تعمله المدارس الحالية بالذات . فهي تتبع عملية منظّمة لإحباط معنويات الأطفال وتسلب ثقتهم بذواتهم. بهذه الأساليب، وأساليب كثيرة غيرها، تعمل الأنظمة المدرسية على فصل أرواحنا من عقولنا . ويتخرّج في هذا النظام المدرسي طلاب فقدوا متعة التعليم منذ زمن بعيد، لكنهم مهووسون بفكرة أنه يجب عليهم أن يكونوا على صواب طوال الوقت .. جاهزين لمواجهة العالم المجهول الذي ينتظرهم في الخارج. لذلك وجب على الطفل أن يمر بهذه المرحلة قبل أن يستحق كلمة (شـــاطر) ويشعر بأنه مقبول في محيطه. وإن لم يتمكن الطفل من التماشي مع هذا النظام المفروض فسيكون مصيره: (كسلان وفاشل)! وهذه الكلمة ترعب الطفل حتى الفشل الحقيقي مسببة له الأذى النفسي،وبهذهالطريقة، تصبح أرواحنا أيضاً ضحية وليس فقط عقولنا . فالنموذج الذي يحكم هذا العصر يقول : إذا كنا من النوع الذي يسمع لأحكامه الشخصية (وليس لأحكام غيره)، ويلتزم بقيمه، ويتمتع بثقة كبيرة بنفسه، فلن تتناسب مع الواقع الحالي الذي بدأ رجال المال وأثرياء الحرب فرضه على الطبقات العاملة والمجتمع

فالإنسان الذي يعتبر ناجحاً في هذا العصر يجب أن يتمتع بمواصفات مثل عدم الثقة بالذات، عدم الاستقرار نفسياً وحتى عقلياً، مما يجعله يتحمّل بيئة العمل الفاسدة والمهينة ويعمل بظروف قاسية ضمن أنظمة استعبادية حتى يتمكن من البقاء، وإن لم يجد عملاً في هذه المنظومة العبثية التي فرضت عليه، فمصيره التشرّد والبطالة.

 

تمت قراءته 208 مرات