العدد:804
تاريخ:21/ 2/ 2018
 

الأبراج والتوقعات.. إدمان من نوع آخر

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 اختلفت الأزمان واختلفت الطرق، ولكنهم مازالوا حاضرين وتحت مسميات متنوعة. فرضوا وجودهم على شاشات التلفاز وعلى الموجات الإذاعية وفي طيات الصحف، ويعرّفون أنفسهم على أنهم علماء فلك ومتنبئون، وأصبحوا يجتاحون في كل صباح القنوات الفضائية ويحتلون في بداية كل عام ساعات طويلة من البث، بهدف الكشف عن ما تحمله السنة الجديدة من أخبار وأحداث إيجابية وسلبية، مستغلّين فضول الناس وحبهم لمعرفة ما تخبئه لهم الأيام، وبين كلماتهم وتوقعاهم تتعلق آمال الكثيرين ممن يؤمنون بهم بشكل كبير، وقد بدأ هؤلاء يعلقون أفعالهم بالأحرف التي ينطقها فم المتنبئ أو خبير الأبرا،ج ويراهنون على مستقبلهم بناءً على توقعاتهم، وذلك يعود إلى عدة عوامل أبرزها: شدة التصديق أو التكذيب للتوقع، ومدى وعي الإنسان وتعليمه.

وبين علم الفلك العلم الغامض والمشوق، وعلم التنجيم الذي يعتمد على الاعتقادات، فوارق كثيرة، أبرزها أن علم الفلك يهدف إلى دراسة الأجرام الفلكية والظواهر دون اعتبار للمفاهيم الفلكية لتلك الظواهر.

بينما يعرّف علم التنجيم بأنه مجموعة من الأنظمة، والتقاليد، والاعتقادات حول أوضاع الأجرام السماوية والتفاصيل التي يمكن أن توفر معلومات عن الشخصية، والشؤون الإنسانية، وغيرها من الأمور الدنيوية. ويعتبر هذا العلم عند كثيرين من العلوم الزائفة أو الخرافات.

ولكن مع اتساع شريحة الأفراد الذين يؤمنون بالعلاقة المباشرة بين مصيرهم والنظام الشمسي وتأثير الكواكب على حياتهم، ازدهرت مهنة من يطلقون على أنفسهم لقب خبراء الأبراج. ومما زاد من انتشار هذا النوع من الظواهر وسائل الاعلام التي فتحت المجال لهذا النوع من العلوم وخصصت لها برامج فلكية خاصة، فقد أصبحت الأبراج تجد لها فسحة في كل جريدة ومجلة فضلاً عن الكتب والمؤلفات المتعلقة بعلم الفلك والأبراج والتي سجلت أرقاماً قياسية في مبيعات معارض الكتب أو في المكتبات الخاصة، خصوصاً لبعض الكُتاب الذين يروّج أنهم ذوو خبرة وعلم كبيرين بالأبراج.

ويعتقد أن مواضع النجوم في السماء تساعد على تفسير أحداث الماضي والحاضر التي تتطابق مع الأحداث الإنسانية، وتمكنهم من التنبؤ بأحداث المستقبل، فهم يقولون إن أماكن الأجرام السماوية وتحركاتها تؤثر مباشرة على حياة الناس، وهو شيء لا يوجد إلى الآن دليل علمي عليه، وهو محل شك في الأوساط العلمية.

أما برامج التنبؤ بالمستقبل فقد أوجدت لنفسها مكانة توازي مكانة فقرات الأبراج ويعرف بأنه نوع من أنواع الفن الذي يشترط له وجود عوامل فطرية موجودة في الشخص نفسه إلى جانب الثقافة التي اكتسبها، إضافة إلى معرفة تتمحور حول تطور العالم من الزمن الماضي إلى وقتنا الحاضر، مما يتيح له بالنهاية إمكانية التكهن بالمستقبل من خلال تلك المعرفة والدراسات.

ولكن حقيقة التنبؤ بالمستقبل لا تعود إلى مهارات فطرية يتمتع بها المتنبئون أو لقدرات فوق حسية خارقة لحاجز الزمن، إنما هي عبارة عن استخدامهم لمهارات استنتاجية يتمتع بها المتنبئون بالمستقبل، وعلى وجه التحديد في المجال الذي يهتمون به، لهذا يتنبؤون به جيداً، إذ يكون المتنبئ متابعاً ومدركاً لتطور الأحداث في مجالات الحياة المختلفة، مما يمكنه بعد فترة وجيزة أن يستنتج ويتنبأ بما سيحدث في المستقبل.

ويقدمون هذه التنبؤات عبر طرح توقعات متفرقة عامة يمكن أن تنطبق على الكثير من الحالات في سياق مسيرة الحياة اليومية، كقولهم إن أحد الصحفيين سيصاب في بلد عربي، فمثل هذا التوقع يمكن حدوثه، فالبلدان العربية تعيش في حالة نزاع وحروب ويوجد مئات الصحفيين لتغطية هذه الأحداث، فاحتمال إصابة أحدهم لن يكون بالحدث المستبعد.

ولكن يعتمد المتنبئون وخبراء الأبراج على الأشخاص الذين يؤمنون بهم وبأن ما سيكتب بشكل عشوائي سينطبق عليهم، وتتحول كلمة الفصل إلى الأبراج في اتخاذ قرارات العلاقات، والعمل، والأمور الشخصية. ففي الكثير من الحالات نجد أن بعض الأشخاص يتسمرون في منازلهم بناء على ما سمعوه من توقعات، أو أنهم فضلوا تغيير خططهم لتناسب ما جاء في أبراجهم. ولكن لتعلق هؤلاء بالأبراج مساوئ عدة قد تسبب كوارث هائلة على الصعيد النفسي للمتابع، لهذا يجب على المشاهدين في غياب الرقابة على مثل هذا النوع من البرامج أن يكونوا حذرين من التعلق بها، فقد أصبحت عبر وسائل الإعلام سلعة يراد من خلالها الحصول على كسب مادي من خلال الرسائل والاتصالات الدولية. لهذا يلعب المستوى التعليمي والثقافي للمشاهد دوراً كبيراً، فكلما قل مستواه التعليمي يصبح التأثير على المتابع أكبر وأسهل.

إن هذه الظاهرة تعمل على تغييب الوعي لدى أفراد المجتمع، وتقود هذه الخرافات من يؤمن بها لتدمير أسرته والفشل في حياته بشكل أو بآخر، مع العلم أن أغلب الدول تمنع وتعاقب ظهور هؤلاء المتنبئين على وسائل الإعلام، وكل ماله علاقة بقراءة الطالع ومعرفة الغيب، لما لها من عواقب وخيمة على المتابعين، إلا أنهم في بلادنا العربية استطاعوا تملك مساحات لا يستهان بها من البث، مما يهدد بشكل كامل الهدف الجوهري من الإعلام، وهو الوصول إلى جمهور واعٍ مثقف قادر على التمييز بين المفيد والضار، ولكن هذا الاهتمام غير المبرر بهم من الإعلام جعل لهذه العلوم الزائفة قوة تزداد كل يوم، وتسبب اليأس والإحباط من عدم إمكانية تحقيق ما نصبو إليه في الحياة الواقعية. فمن خلال توقعاتهم أصبح الناس يجدون متنفساً وبريق أمل يدفعهم إلى التحليق بأجنحة الوهم والخيال، مما يجعل سقوطهم في درك الواقع أقسى وأصعب.

تمت قراءته 232 مرات