العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

الحصن المنيع... رغيف الخبز

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

لا يغيب وجوده عن مائدة فقير أو غني، ويعد المادة الأساسية التي تكمل وجبة طعام السوريين، وقد كان وما زال أفضل صنف يشبع رمق الجياع ويسكت أصوات الأمعاء الخاوية.

 إنه رغيف الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يطيب الطعام من دونه، ورغم ارتفاع سعره في هذه السنوات المظلمة من ١٥ ل.س. للربطة، إلى ٥٠ ل.س. إضافة إلى صعوبة الحصول عليه في بعض المناطق، فلطعمه حلاوة لا يدركها إلا من فقده، ولرائحته الشهية جمال لا يستنشقها إلا من اشتهاه وقدّره حق قدره.

ولكن الحصول على رغيف الخبز أصبح رحلة يومية بالنسبة للمواطن السوري، لاعتماده الكبير عليه في الفترة الأخيرة، فهو الأرخص ثمناً والأفضل لمحاربة الجوع،  فمشقّة السوري للحصول على رغيف الخبز مشقةً لم يعهدها قبل الحرب، فربطة الخبز كانت بـ ١٥ ل.س ومتوفرة في جميع الأفران والمحال، وكان من النوادر أن ينتظر المواطن لشراء الخبز من الفرن أكثر من ربع ساعة. أما اليوم فهو قد يحتاج إلى ربع يومه، ويعود سبب الانتظار الطويل لعدة عوامل، أبرزها الهجرة الداخلية التي كونت حالة من الاكتظاظ السكاني  الهائل، ما ولّد أزمة للأفران في المناطق الآمنة، فنسبة الطلب الكبيرة لا تتناسب مع حجم العرض الخجول، والطاقة الإنتاجية للأفران عجزت عن تحمّل مثل هذا الضغط الكبير، إضافة إلى عدة ممارسات زادت الأمور سوءاً، منها عدم تنظيم طابور الانتظار،  مما يسبب مشكلات وصراعات بين ذاك الدخيل الأرعن وصاحب الحق الأسبق.

وهكذا تمضي الساعات أمام الفرن بين مشاجرات عند نافذة البيع، وتجاوزات عند الباب الذي يشهد على ضعف نفوس بعض عمال الأفران في تلبية طلبات زبائنهم المفضلين ومن معارفهم ( الدفّيعة) أي الذين لديهم قدرة على دفع زيادة بسعر الربطة مقابل عدم الانتظار، والسماسرة الذين يعقدون الصفقات مع أصحاب الأفران للحصول على كمية الخبز التي يريدونها مقابل زيادة، فيقدم لهم ٧ ربطات خبز بـ٥٠٠ ل.س عوضاً عن ١٠ ليبيعوها هم على قارعة الطريق، وعلى يد أطفال ونساء بـ١٠٠ أو ١٥٠ل.س للربطة الواحدة، مستغلين بهذا عدم قدرة كبار السن على الوقوف في البرد القارس أو الصيف الحارق، ويتصيدون حاجة المارة لها دون الاضطرار للانتظار، ولكن كل هذه المشقة وهذا الاستغلال يهون على المواطن السوري في سبيل رغيف الخبز الأشهى، في حين أن سعادته ما تلبث أن تختفي بالتدريج بسبب تراجع مستوى صناعة الرغيف التي بات يشتكي منها المواطنون، رغم أن الحكومة تبرر تفاوت جودة الخبز بين مخبز وآخر بأن هناك مدخلات متعددة لصناعة رغيف الخبز، ولهذا قد تختلف نوعية بعض المكونات من دفعة إلى أخرى، وأبرزها الدقيق والخميرة مما قد يسبب اختلافاً في النتيجة النهائية للمنتج. وفي غياب الخبرة بالتعامل مع اختلاف نوعية المواد من قبل بعض أصحاب الأفران والعاملين فيها يزيد احتمال حصولنا على رغيف بنوعية غير جيدة، فنجد أن بعض الأفران يكتظ عليها الناس ويزدحمون على الشراء منها لجودة خبزه المرتفعة، فتلاحظ أنه لذيذ الطعم،  أبيض اللون، رقيق السماكة، إلى جانب طول مسافة قطره ودرجة نضجه الممتازة، وكلها مؤشرات تشي بمهارة صانعه، بينما تجد أن بعض الأفران لا تنتج إلا ذاك الرغيف الصغير، سيّئ النكهة، وغير الناضج كفاية، وهو ما يدل على تردي صناعة الخبز.

والمخابز الماهرة بصناعة الخبز لا تشكل سوى نسبة قليلة من تعداد الأفران، وعليه يظهر أن هناك تقصيراً من قبل الحكومة وخصوصاً وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في مراقبة عمل المخابز والتدقيق بجودة صناعة الخبز، المادة الأساسية والأكثر استهلاكاً للمواطن السوري، لحاجته الدائمة والمستمرة إليه، وكذلك في العمل على فرض حلول ناجعة تخفف من قسوة الانتظار، بإنشاء أفران جديدة تساعد على تلبية الطلب الكبير والمستمر، ووضع برنامج لتشغيل الأفران في مناوبات لاجتناب ساعات الازدحام في الصباح، فضلاً عن زيادة القدرة الإنتاجية للأفران، وتحديد مسارات أمام كل نافذة بيع تنظم دور المواطنين، للحد من المشكلات التي يسببها تجاوز طابور الانتظار، مع فرض عقوبات على الأفران التي تتجاوز القوانين، والتي تتعمد بيع السماسرة بسعر زائد بشكل مخالف وغير أخلاقي، وقطع كل السبل أمام كل متلاعب بلقمة الناس، وعليها، إلى جانب ذلك أيضاً، الاهتمام بالمرتبة الأولى بجودة رغيف الخبز عبر تنظيم دورات تدريب وتأهيل للعاملين، لصقل مهاراتهم في صناعة الخبز والحرص على توافر الخبرة الفنية اللازمة داخل الأفران، لتجاوز مشكلة سوء التصنيع عند اختلاف نوعية المواد المكونة للخبز.

ما هي إلا دعوة للاهتمام بالخبز أكثر، فالدولة تدعم رغيف الخبز بشكل كبير، فلتكمل حرصها ولتبعد أيدي ضعاف النفوس، لتحميه من عامل باع بعض الطحين المدعوم في السوق السوداء ووضع ثمنه في جيبه، وتحميه من سمسار يبيعه على الطرقات تسول له نفسه أن يخطف من كل ربطة رغيفاً ليجمعها من جديد بواحدة منفصلة ويبيعها منقوصة، وآخر يصنع الرغيف بلؤم ومن دون إخلاص ليخرج رديء الشكل والطعم كطبع صانعه، فلتكن غايتنا حماية رغيف الخبز الذي يتخاطفه المستغلون من أفواه المواطنين، فهو الحصن الأخير الذي يقف بوجه الحاجة والجوع.

تمت قراءته 377 مرات