العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

عن التصفية..حرب الوزارات بالوكالات

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 تطالعنا بين الفينة والأخرى أخبارٌ عن تخبُّط مسؤولٍ أو وزيرٍ ما في اتخاذ قرار - أو قرارين أو ثلاثة(!) الأمر الذي يشير بالتأكيد إلى عدم امتلاكه القدرة على اتخاذ القرار أصلاً، وهذا يعود إلى خطأ (تنموي بشري) في ترشيحه وتزكيته وتنصيبه ليكون وزيراً، فيظهر ضمن الوزارة كمجسّم ثلاثي الأبعاد أو (روبوت) مبرمج بنوع من الإملاءات، وحين يحدث تشويش ما على حركته يحدث التخبُّط إلى أن تتم إعادة البرمجة!

جل قرارات الحكومة في هذه الحالة لا يتناسب مع الصالح العام، لأنه يعكس أمزجة ورغبات ودوافع شخصية أكثر من رغبات ودوافع عامة، وإذا نوقش الشخص المبرمج بتلك القرارات فإنه يتلو شريطاً صوتياً مسرّعاً يتضمّن مبرراتٍ بات صبيان الأزقة يتقنونها ويقلّدون فنونها... ومع كل تلك المبررات يغمز بالعين ويتأتئ باللسان ويومي باليدين الفارغتين إلى (أعلى)، وهذا (الأعلى) قد يكون السماء، وربما يكون السقف الذي من يحاول القفز ليرى ما بعده، يرتطم به رأسه وقد يحدث له ما لا تُحمد عقباه من دمامل وارتجاجات وآلامٍ لا تبرح صاحبه ولا كل من معه في المكان!

حكومة منزوعة الآليات الإدارية و بلا منهج قانوني

علمنا ذات يوم أن وفداً يمثل (فائض عمال في الإعلام) قد قابل رئيس الحكومة بتاريخ 16/2/2017 وذلك اعتراضاً على قرار يخص نقلهم من أماكن عملهم إلى مؤسسات حكومية أخرى، وإقصاء بعضهم بما يمثّل ظلماً لهم... وفي اللقاء تحدث رئيس الحكومة عن متورطين في تضليله بخصوص مسألة (الفائض) (؟!) لافتاً إلى أن التراجع عن القرار سيضعه شخصياً في موقف محرج(!) أو أنه سيعتبر رضوخاً لتهديدات من سيشملهم الإقصاء! فهل يمكن لعقل أن يقبل ذلك؟! وهنا يحق لنا التساؤل كيف تعمل الحكومة وكيف تصدر قراراتها؟! وهل هذا عمل حكومي؟! أما مؤخراً فقد دُهشنا بثلاثة قرارات اتخذها السيد وزير الإعلام وكأنه لم يتخذها، وذلك بصيغة القرار وطيّه خلال ساعات قليلة، فكيف يمكننا الثقة بعد الآن بالقرارات الحكومية، وأية بلبلة تُحدثها تلك القرارات في الواقع الإداري والمجتمع السوري ككل؟!

تصريحات متناقضة ومثيرة للإحباط

في الأيام الماضية اطلعنا على قضية عزل مسؤول ثقافي مبدع من موقعه في إحدى الصحف الرسمية، بعد أن انتقد سياسات معينة تجري في مؤسسة ثقافية... وفي ردٍّ على اتهام وزارة الثقافة بأنها كانت وراء إعفاء المسؤول المذكور من أمانة تحرير الشؤون الثقافية في الصحيفة الرسمية، علق السيد وزير الثقافة قائلاً: (قرأت خبر إقالته في وسائل الاتصال الاجتماعي كما قرأه أي مواطن سوري آخر)...(!) ثم أردف السيد الوزير قائلاً ومناقضاً تصريحه: (لقد رفعنا دعوى قضائية بحقه...)(!) و(سنقاضي مستقبلاً كل من تسوّل له نفسه سوق اتهامات كاذبة بحق الوزارة ومؤسساتها). وتابع السيد الوزير بالقول: (وزارة الثقافة لديها خطة عمل طموحة تعمل على إنجازها، ولا علاقة لها باقتلاع الناس من وظائفها)! وبالتالي فإننا هنا نسأل السيد الوزير، وبكامل المودّة: إذاً من يقتلع (ناس الثقافة) من وظائفها؟! هل هم أشخاص من خارجها؟! هل هو (روبوت اقتلاع) يحمل وحده وزر اقتلاع الناس من وظائفها؟! هل هو قنّاص أوتوماتيكي يصطاد مستقبل (الضحية) ولقمة أبنائه؟!

ومع الأسف الشديد فقد لمسنا من خلال تصريح الوزير عبارات غير مقبولة بحق أشخاص، في الوقت الذي تغرق فيه وزارته بأخطر الملفات الموثقة، فقد جاء في وصفه لبعض الأشخاص الاعتباريين بـ(قصور الأفق) و(قلة الخبرة) و(غياب الموضوعية) و(الفساد) و(التلاعب) و(العدائية المزاجية)...وهذه الألفاظ وحدها تعكس الاستهتار بالإنسان والقانون والتعالي عليهما، لأنها تُهَمٌ تُلقى جزافاً وتحمل أغراضاً شخصية، لكن الأخطر فيما تحمله هو موضوع ضمان السيطرة على عمل القضاء، لأنه لو لجأ ضحايا هذه التهم المعلنة جهاراً إلى القضاء - في الحالات الطبيعية- لما كان موقف من يكيل تلك الاتهامات بخير، ولا تجرأ أحد على نشر ما يقول.

وزارات أشخاص فحسب

لا تخلو جعبتنا الصحافية من أدلّة ووقائع ووثائق وأحداث تؤكد بما لا يقبل الشك أن وزارات الحكومة هي وزارات أشخاص متنفذين... وبالتأكيد فسنستثني الأمور الروتينية من خدمات عادية تقوم بها كل الوزارات، لكننا لن نضم إلى هذا الاستثناء ما يؤثر على الوطن والإنسان فيه، أما محور حديثنا فهو (القرار الوزاري) في الأمور التي تمس مصلحة الوطن والمواطن، فهل هناك رضا عام عن تلك القرارات؟! إن وسائل التواصل الاجتماعي تجيب عن ذلك ببساطة، الأمر الذي أدّى إلى حالة (الاستشاطة غضباً) من قبل بعض المسؤولين - إن لم نقل كلهم- ومع الأسف الشديد، فبدلاً من احترام المواطن وتقدير حالة غضبه وشعوره بالغبن والظلم، والنزول عند رغبته في الاستماع إليه وحل مشاكله الحكومية العالقة، نرى أن حالة التهديد تزداد تفاقُماً، وكأننا منذ مطلع هذا العام -وما قبله- لا نسمع حكومياً إلا سيمفونية واحدة موحدة من قبل المسؤولين وهي (ضرورة إحالة منتقدي عمل الحكومة من الصحافيين وروّاد التواصل الاجتماعي إلى القضاء). أما هذا القضاء فبات مع الأسف امتحاناً عسيراً للمظلومين، فيه يُهان المواطن ويُكرَم المسؤول وينام مطمئناً على أكداس أضابير وملفات تقض مضجع الشأن العام، وتودي بكوادر الوظيفة العمومية إلى التشرُّد في الوطن ثم الهجرة.

إنها عمليات تصفية بكل ما تحمله من معنى، وما يرتكبه مسؤولون فاسدون -أحياناً- بحق منتقديهم، يوصف بالبشاعة التي يجب ألا تجد لها غطاءً في دولة قانون.

تمت قراءته 243 مرات