العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

حول المنهجية المتبعة في مادتي التربية الدينية المسيحية والإسلامية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 يركز محتوى الكتب الدراسية في كل من التربية الدينية المسيحية والإسلامية، في المراحل الدراسية المختلفة (خصوصاً الحلقة الأولى) على إعطاء الأولوية للهوية والانتماء الديني، من خلال إظهار الخصوصيات الدينية، علماً أن هذه الكتب قد تطرّقت إلى الانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن.

تتضمن هذه الكتب مفاهيم دينية لا تتناسب في توقيت عرضها وطريقة طرحها مع العمر العقلي للمتعلمين وحاجاتهم إلى هذا المستوى أو ذاك من أنماط المعرفة الاعتقادية.

إن مفاهيم رئيسة مثل حقيقة الله أو الثالوث أو النبوة وما يترتّب عليها من مفاهيم فرعيّة، مثل الروح، والإيمان، والخير والشر، والثواب والعقاب، والعدالة والأمانة والعفة والوفاء والإخلاص، ومصير الإنسان بعد الموت، والحياة الأبدية، وأسرار الحياة، والجنة والنار، ومواصفات المؤمن، ومعنى الإيمان، وماذا يعني أن يكون الفرد مسلماً، أو مسيحياً، وأيضاً خلق الله للعالم، هي مفاهيم مهمة جدّاَ لنمو المتعلمين ونضجهم الروحي والإيماني.

ولكن يجب أن نسأل أنفسنا كتربويين وواضعي مناهج ومؤلفين: كيف ومتى وبأية طرائق تربوية مدروسة يمكن إيصالها إلى المتعلمين وتحقيق الغاية من عرضها في الوقت والمكان المناسبين؟ وينبغي التروي في الافتراض أننا استطعنا أو يمكننا بسهولة أن نحقّق ذلك.

وينطوي تحت ذلك استخدام النصوص الدينية التي لا يستطيع المتعلمون، خصوصاً في الحلقة الأولى، فهمها والتعامل معها، وتوظيف هذه النصوص، وهنا يجب أن نميّز بين قدرة المتعلمين على حفظ النصوص الدينية (التلقين)، واستيعاب مضامينها وفهمها، والقدرة على توظيفها واستخدامها بما يتناسب مع المرحلة العمرية للمتعلمين، ويضمن البعد التربوي.

تستخدم هذه الكتب (إيديولوجية تربوية) لإيصال المفاهيم الدينية عن طريق عرضها بشكل مبسط ومحسوس، لكن تلك المحاولات تنطلق من قناعات مسبقة لإقحامها في عقول المتعلمين، منطلقة من افتراض أنهم يعرفونها أو تربّوا عليها وأنهم يؤمنون بها.

ليست مهمّة لجان تأليف كتب التربية الدينية مطابقة النصوص اللاهوتية والفقهية، وإنما انتخاب رؤية تربوية مستخلصة من هذه النصوص لتخدم الفلسفة التربوية للدولة، علماً أنه ليس لدينا فلسفة تربوية تحدد أهداف التربية، وماذا تريد الدولة من مواطنيها.

والمؤسسات التربوية لن تستطيع أن تنافس المؤسسات الدينية والمجتمعية المختلفة، ولن تستطيع أيضاً منافسة الأسرة في دورها المتمثل في نقل الأفكار والإيديولوجية والقناعة الدينية بمعتقداتها وطقوسها إلى الأفراد، وليس مطلوباً من تلك المؤسسات التربوية أن تفعل ذلك، وإنّما دورها- حسبما أرى- أن تكون موجّهة للمجتمع دينياً وأخلاقياً والتأكيد على أهمية التلازم بينهما (الديني والأخلاقي)، وليس على أسبقية أحدهما على الآخر.

وبرأيي تعدّ طريقة عرض القيم الأخلاقية، في المناهج الدراسية، منقوصة، لأنها مبنية وفق الرؤى الدينية الخاصة، وتقوم على توجّه مفاده أننا لا نستطيع- كمؤلفين- إيصال ما نرغب في إيصاله. وإنّما ما نوصله هو المطلوب إيصاله وفق الرؤى اللاهوتية أو الفقهية حصراً.

تؤكّد الدراسات النفسية أن تدريس القيم الأخلاقية بشكل نظري، عن طريق الكتب المدرسية والوعظ والإرشاد الديني والأخلاقي، هو أمر لا طائل منه من الناحية التربوية، لأن المتعلمين وخاصة في الحلقة الأولى لا يتأثرون لفظيّاً أو نظريّاً في تربيتهم أخلاقيّاً ودينيّاً، وإنّما يتأثرون بطريقة التربية والسلوك الفعلي للمربّين والأهل وبالقدوة الحسنة.

ولن يجدي الإغراق في سرد تفاصيل حياة أشخاص ورجال دين والمبالغة فيها أحياناً، من دون توظيف تربوي ملائم.

المنهجية المتبعة وفق الرؤية الحالية لعملية تطوير المناهج والمراجعة النقدية للمعايير لن تساعد في الوصول إلى المشتركات الإيمانية والأخلاقية في هاتين المادتين ومدّ جسور التواصل مع الآخر وفهمه وتقبّله. ويلاحظ أيضاً غياب رؤية تؤسس لفهم مشترك إنساني للتكامل بين الديانتين.

إن المؤسسات التربوية في مجتمعٍ، يتميز بغناه وتراثه الروحي كمجتمعنا، مطالبة برؤية أكثر وضوحاً للأهداف المتوخاة من تدريس التربية الدينية إسهاماً منها في التأصيل، لا لحوار أو تسامح ديني فقط، وإنّما ترسيخ الإخاء والمساواة استناداً إلى احترام حقوق الإنسان في اختيار قناعته الدينية مع الاحترام كل الاحترام للخصوصيات الدينية.

لكن حين يجري، تحت شعار احترام الخصوصيات الدينية، عرقلة إيصال المشتركات الإيمانية والأخلاقية بين أبناء الوطن الواحد ضمن النواظم التربوية والاجتماعية، فإنني أرى أن المؤسسات المعنية بالتربية وتطوير المناهج التربوية لن تستطيع، وفق النمط السائد ومنهجية التفكير والتأليف الحالية في المادتين، أن توظّف مادتي التربية الدينية المسيحية والإسلامية، لتحقيق الأهداف المرجوة منهما.

إن تسمية التربية الدينية المسيحية والإسلامية، كما هي موجودة حالياً في الكتب الدراسية، غير دقيقة، لأنها كما أعتقد تركز على الديانة وليس على التربية.

 

المقترحات

1-  مراجعة المنهجية المتبعة في وضع المعايير وأدلة التأليف ومحتوى الكتب الدراسية، والتركيز على الثوابت والمشتركات الإيمانية والأخلاقية والوطنية عموماً، في مادتي التربية الدينية المسيحية والإسلامية.

2-  تأليف دليل مشترك بين كل من التربية الدينية المسيحية والإسلامية يتناول هذه المشتركات، والابتعاد فيه عن الخصوصيات الدينية في الحلقة الأولى.

3-  إلغاء كتب الصفوف من الأول إلى الرابع الأساسي، والاكتفاء بالدليل المشار إليه في الحلقة الأولى ضمن حصة واحدة مشتركة بين جميع الطلبة دون أي تمييز ديني.

4-  التدرج في عرض المفاهيم الدينية ضمن تسلسل يراعي القدرات العقليّة للمتعلمين وحاجاتهم انطلاقاً من رؤية نفسية تربوية وليس انطلاقاً من رؤية دينية صرفة.

5-  دراسة استخدام النصوص الدينية وتوظيفها بما يتناسب مع قدرات المتعلمين، وبما يسهم في تعزيز ليس فقط قيم التسامح والحوار بين الأديان، وإنما أيضاً تعزيز الفهم والاحترام المتبادل بين الخصوصيات الدينية المختلفة، وهذا قد يتطلب تدريس المتعلمين معتقدات ومفاهيم دينية متبادلة ومشتركة بين الأديان والمذاهب (علم الأديان المقارن).

6-  تأكيد الترابط بين الأهداف التربوية، وكلٍّ من القيم الوطنية والأخلاقية المشتركة، والمفاهيم الدينية، وفق معايير ومخرجات ومؤشرات أداء، وذلك في وثائق مشتركة بين مادتي التربية الدينية المسيحية والإسلامية.

7- أرى أنّه من الضروري اختيار فريق موسّع من المثقفين والأكاديميين ورجال الدين المتنورين، مهمّته ضبط تأويل النصوص اللاهوتية والفقهية، ضمن نطاق الأهداف التربوية المحددة في الفلسفة التربوية التي يجب أن تُعتمد، لأن ذلك سيجنّبنا إشكالات غير محمودة العواقب، وكما يقال فإنّ الشيطان يكمن في التفاصيل، والطريق إلى جهنّم معبّد بذوي النوايا الحسنة.

تمت قراءته 19 مرات