العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

سراديب وكهوف في جروح الجندي السوري

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 أنت جميل أيّها الموت!

وجمالك يأتي من كونك تستر ثورة الجسد، عندما لا يكون قادراً على أن يكون جسداً إنسانياً طبيعياً على هذه الأرض، عندما ينال منه المرض أو تتقاذفه نبضات خجولة تعلن تمردها، فيقف ذاك القلب مرغماً منصاعاً لاحتجاج النبض!

نراك كريح تلفّ ما حولها من غبار هائم، فترفعه إلى السماء وتصنعه غيمة، وتمطر. جميل أنت لمن حملتهم تحت جناحيك، وصعدت بهم إلى وجه ربهم، فكفيتهم شر الذل والحاجة، والفاقة، والعجز، والموت الحياتي، كحالنا نحن الجرحى، جرحى الحرب.

إن فتشتم في عمق جراحنا، وإن تقصيتم بمجاهر قلوبكم، لوجدتم داخل تلك الجروح ما سيدمي حتماً تلك القلوب، سترون عندئذ داخل جرحنا الذي نال منا، فبتر اليد أو القدم أو اقتلع العين أو فتت الفك أو هشم الكتف، سترون فيه ما سيدهشكم!

ستعاينون سراديب وكهوفاً داخل تلك الجراح، وستسمعون الأنين وصراخ الوجع الحقيقي في داخل تلك المغاور، فقط أنصتوا!

لقد أخطأت يا موت، وتركتنا أحياء مع العجز والفاقة، تتقاذفنا الوعود ويتمنن علينا اللصوص، ممن تستهويهم الصور، وتبييض أموالهم وصفحاتهم السوداء، والهم الأكبر لهم التقاط الصور معنا نحن الجرحى، وتقديم القليل المضحك فيما يسمى (تكريم الجرحى)، ولن تخفى علينا نظراتهم وهي تتقزز من أوضاعنا المعيشية، حيث الفقر يرسم وجهه على الحيطان المتهالكة المتصدعة، وحيث نفترش الأرض التي لم يتعودوا على منظرها، من دون الرخام المزدان في بيوتهم، أليس هذا كله يزيد فجوة الكهوف والسراديب داخل جروحنا أكثر فأكثر؟؟

أليس تصنيف الجرح حسب نسبة العجز أكثر إيلاماً من الجرح ذاته؟! كيف لجريح نسبة العجز المقدرة لديه من قبل لجنة الأطباء أن تتحكم بحياته، فتحرمه جزءاً كبيراً من راتبه الذي هو بالأصل قليل ولا يكفي لمتابعة العلاج، في الوقت الذي قد يكون فيه هذا الجريح هو المعيل الوحيد لعائلته المكونة من الزوجة والأطفال؟!

وعندما يقرر المجلس الطبي تسريح جندي من الخدمة، نتيجة إصابته، أليس هذا إقراراً بأنه أصبح غير قادرٍ على العمل؟ وبناءً عليه، لن يستطيع أن يعمل لتأمين دخل يعيش من خلاله.

ولن ننسى في الوقت ذاته حاجته إلى شراء الأدوية الغالية الثمن، أو ربما الخضوع لجلسات العلاج الفيزيائي الباهظة الأثمان، السؤال هنا: لماذا لا يعطى هذا المصاب راتبه كاملاً، وكأنه على رأس عمله، بغض النظر عن نسبة الإصابة، ليستطيع العيش ببعض الكرامة، ولا يضطر إلى الاستجداء؟! هكذا يقول السيد عبد الرحمن وسّوف، أضناه حال ولده الجريح.

جريح آخر يحكي عن معاناته بعد فك الحصار عن أحد المطارات المحاصرة، عندما فقد يده اليمنى، وأصابته شظايا في الرأس والعين، وإلى الآن يخضع لعلاج مكثف على حسابه الخاص، دونما قبض تعويض كالمعتاد، التأخير في قبض التعويض والإجراءات الروتينية المملة هي أيضاً تؤرق الجرحى وأهلهم على حد سواء.

أما مصابو العجز التام من 80% إلى 100% عجز فلهم وجعهم الخاص، فمطالبهم تعدت العلاج الميئوس منه لحالتهم، فقد أصبحوا عالة على أهلهم وزوجاتهم، وهم اليوم يطالبون الدولة بمشاريع إسكان خاصة بحالتهم، وخاصة أنهم جميعاً تحت خط الفقر، ولا بيوت تأويهم حتى وإن وجدت فهي تفتقر الى كل متطلبات السكن الكريم، وينادون أيضاً بتأمين فرص عمل لزوجاتهم وأبنائهم أسوة بذوي الشهداء.

أما سيئو الحظ ممن كانت نسبة العجز المقدرة من قبل المجلس الطبي بـ 35% فلا راتب لهم، بل ينالون تعويضاً قدره 78 ألف ليرة سورية فقط.

يضحك أحد الجرحى من وضعه الصحي الذي لم يحدد فيه نسبة عجز، نتيجة خضوعه لسبع عمليات جراحية و44 قطبة، واستئصال أربع طلقات من جسده، أصابته خلال المعارك، ولكن لم يحصل لا على تعويض ولا راتب، فعندما ذهب لمقابلة أحد المسؤولين للحصول على رخصة كشك، بادره ذاك المسؤول بأن من يحق له تلك الرخصة يجب أن يكون مشلولاً، ونسبة العجز لديه 80%.

وعندما طالب ذلك الجريح بالمنحة الإنتاجية، قال له المسؤول: (يجب أن تكون يدك مقطوعة أو عينك مقلوعة).

أما المؤلم في الموضوع فهو مطالبة الجريح بعمل على أساس عقد سنوي، ففوجئ بأن هذه العقود فقط لأسر الشهداء، يقول الجريح بعد خيبته: (الحق على المسلح، يا ليته أرداني شهيداً، أو أصابني بنسبة عجز كبيرة كي أنال جزءاً من حقوقي!).

المطلوب ليس معجزة، المطلوب فقط إيلاء ملف الجرحى الأهمية ذاتها لمن فقد شهيداً، ومعاملتهم أسوة بمن رحلوا، أو ليسوا مشاريع شهادة، لكن الموت أخطأهم؟

أليس الجريح ذا شأن عظيم يجب أن نرمم جرحه، ونعطيه كامل حقوقه، ونسارع في بلسمة آلامه وآلام من حوله من أهله وأحبائه؟؟

وبدل حفلات التكريم الاستعراضية المنقولة عبر شاشات التلفاز، يطالب الجرحى بالكف عن التقاط الصور لهم، فهي تزيد عمق جراحهم، وبدلاً منها يريدون مساعدة معنوية ومادية قيمة، وليس ساعات وعلب حلوى ومبالغ لا تسد الرمق، هنالك جرحى بحاجة إلى بيوت ومصروف شهري منتظم وأدوية غالية، فهل من يغلق الفجوات والسراديب والكهوف في جروح الجندي السوري البطل؟!

تمت قراءته 154 مرات