العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

قميص أيلول الأسود.. ثالوث السوريين المرعبش

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 هذه السبع سنين التي مضت بأيامها ولياليها وبراكينها وزلازلها لم تكن إلا تقمصاً، ولكن في الحياة وليست بعد الموت كما يعتقد بعض مناصري فكرة التقمص.

في سنوات الحرب هذه، كل ثانية هي قميص حياتي ملتهب يحيط بأجساد سكان هذه البقعة من الأرض.. الفقراء هنا يتقمصون يومياً الفقر والبؤس والتشرد والغلاء والذل والحاجة، ولا أصعب من كل ذاك الا انكسار القلوب وألمها عند حاجة طفل إلى حق من حقوقه أمام والدين لا حيلة لهما لتلبية طلبه، فأي قميص وقتئذٍ يلبسون؟

يعود أيلول هذا العام لتكون عودته كعودة الميت إلى الحياة لكن بقميص أسود.. عقاب جماعي دنيوي للفقراء فقط.. ثالوث مرعب يملأ أنفاس الصباحات الأيلولية التي بدل أن تكون صباحات خريفية باردة النسمات إلا أنها في قلوبهم أنفاس خرجت للتومن فم تنين أيلولي قادم إليهم برعب الثالوث المخيف: المدارس، المونة، العيد.

هذا الشهر كارثي على أصحاب الدخل المحدود جداً جداً والذي تسببت به قرارات الحكومة في ظل الحرب.... فالحكومة التي لم تقدر إلى اليوم أن توازن بين كتلة الرواتب الضعيفة والمتدنية كثيراً بالنسبة إلى كتلة مال الفاسدين وأطماعهم، الذين يتسببون بنظام الفجوات والكتل هذه. ولمن لا يصدق ما نقول يكفيه تجوال في شوارع دمشق أو اللاذقية أو حلب ليشاهد بأم العين ضخامة ما ينفقه الفاسد وسياراته وبريق رفاهيته، وليقارنها بضيق القبور التي تسير كأجساد في شوارع هذا البلد.. وما أكثر القبور في أيامنا هذه.. فكل فقير يحمل قبره ويسير به، وكل غني تسبب بذاك القبر يحمل جنّته ويسير بها أيضاً.

 تجهيز الأولاد للمدارس يصبح كابوساً، فتكلفة تجهيز طالب للمدرسة ستكون بما يقارب 20 ألف ليرة سورية، موزعة على حقيبة ولباس مدرسي وقرطاسية.. ومن الطبيعي أن يكون في المنزل أكثر من طالب وربما كانوا خمسة، فكيف السبيل إلى تهيئتهم لاستقبال عام دراسي جديد وراتب والدهم إن هوكان في أحسن أحواله لا يتعدى 40 ألف ليرة سورية.

تجهيز للمونة، فهذا الشهر هو موسم خاص بالأكلة الشعبية (المكدوس) ولم يكن بيت قبل الحرب إلا وكان سكانه منهمكون في الإعداد لهذا الصنف من الطعام وبكميات كبيرة تتعدى خمسين كيلو_ وقد تصل إلى مئة كيلو باذنجان حسب العائلة وافرادها. لكن مع ظروف الحرب والغلاء الفاحش فإن كثيراً من العائلات السورية تركت هذا الطقس الأيلولي مرغمة، أما البعض فقلص الكمية إلى النصف أو أقل أحياناً.. فتكلفة ثلاثين كيلو فقط ستكون كارثية على صاحب الدخل المحدود عندما تتعدى قيمتها 20 ألف ليرة سورية.

تجهيز للعيد: فالعيد ولسوء حظ الفقراء يأتي أيضاً هذه الأعوام في أيلول. العيد الذي كان في السابق عامراً بالحلويات وأطايب الطعام واللباس الجديد لكل أفراد العائلة.. أما عيد هذه السنوات فهو كحال أصحابه يأتي فقيراً معدماً بلا مظاهر الفرح.. فلا لبس جديد ولا حلوى ولا عزائم عائلية ولا ضحكات الأطفال. ينعدم كل ذاك عندما تتعدى تكلفة هذا العيد 50 ألف ليرة سورية بالحد الأدنى، وعندما يصبح كيلو الحلويات العادي بـ3000 ليرة وصولاً إلى الحلويات الفخمة التي يصل سعر الكيلو الواحد الى 10 آلاف ليرة سورية. وعندما يغمض الفقير عيون أطفاله عن اللباس الجديد الذي سيكلفه ما بين 20و40 ألف ليرة، حسب القطعة والسوق المشترى منه، فأي عيد هذا؟؟

يجب أن يكون راتب الموظف ليواجه هذا الغلاء 300 ألف ليرة سورية كي يعيش عيشة يكتفي بها وأولاده دونما ذل وفاقة.. أين أعضاء الحكومة الذين حلفوا وأقسموا أن يراعوا أحوال الشعب وخاصة في ظل ظروف الحرب هذه؟؟ أين الخطط المنقذة من هذا الجحيم الحياتي اليومي؟ لماذا لا تصرف منحة سخية تغطي حاجة المواطن في هذا الشهر الكارثي بالذات؟؟ البلد بخير والاقتصاد لا بأس به لولا التلاعب والسرقات، خطة بسيطة يكبح فيها كل سارق يقابلها زيادة في الدخل العام يعود كزيادة في الرواتب تغطي حاجات المواطن الذي لا يطمح إلا إلى العيش بكرامته. ذلك أن السوري الأصيل لا يقهر قلبَه إلا من يهين كرامته.

تمت قراءته 113 مرات