العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

المدارس الخاصة.. رفاهية أم حاجة؟!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

منذ سنوات طويلة وسورية تشتهر بقوة نظامها التعليمي، وصعوبة مناهجها، ووعيها الكامل لأهمية أن يكون التعليم العام مجانياً ومتاحاً للجميع، لنشر العلم والثقافة وتأسيس أجيال متعلمة بشكل جيد، ولهذا حاولتْ على مر الوقت رفع مستوى المناهج المدرسية وتطويرها،
بما يتناسب مع تطور العلوم والمعارف، إضافة إلى أنها سنت قوانين تمنع من خلالها التسرب المدرسي، كما أنها مددت سنوات التعليم الإلزامي، واهتمت بإنشاء مدارس تلبي حاجة أرياف المحافظات والقرى السورية في جميع المراحل الدراسية، بدءاً من التعليم الأساسي، الذي يشمل الابتدائية والإعدادية، إضافة إلى التعليم الثانوي


تغير الهدف مع تغير الزمن

قد يسأل البعض: لماذا إذاً وجدت المدارس الخاصة؟

بدايةً قد يختلف الكثيرون في تاريخ بدء التعليم الخاص وأسباب ظهوره، ولعدم توفر مراجع تاريخية موثوقة تؤرخ تلك الفترة والتغيرات الاجتماعية التي طرأت عليها، لجأتُ إلى بعض كبار السن ممن تجاوزوا 80 سنة،
وممن يحفظون التاريخ في صدورهم، وفي التجاعيد التي نقشها العمر على وجوههم، فكانت الروايات متقاربة والأسباب متشابهة في عدة نقاط أبرزها:

- إنشاء مدارس تلبي حاجة الأغنياء، وأصحاب المكانة الاجتماعية المرموقة، وأصحاب النفوذ، في تمييز أبنائهم عن غيرهم، ومتابعة تعليمهم في مستويات متقدمة أكثر، تؤمن لهم الحصول على منزلة رفيعة في المجتمع، تبعاً لنوع دراستهم ومستوى ثقافتهم .

- ظهور المدارس التي تنشر الثقافات الأوربية، وغير العربية، كالتي نشأت في الحقبة العثمانية وفترة الاحتلال الفرنسي، وما كانت تحتويه من ميزات، دفعت الأهالي لزجّ أولادهم فيها، رغبةً منهم في الحصول على تعليم أفضل يماثل تعليم من كانوا يدرسون في البلاد الأجنبية.

ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم، ازدادت نسبة المدارس الخاصة وخصوصاً في السنوات الـ25 الماضية، فقد شهدت هذه الفترة ارتفاعاً كبيراً وملحوظاً في أعداد المؤسسات التعليمية الخاصة، وذلك نظراً لعدة أسباب أهمها الزيادة الكبيرة في السكان، مما شكّل ضغطاً في أعداد الطلاب المنتسبين للمدارس العامة،
وبالتالي أثّر على جودة التعليم فيها، مما جعل أولياء أمور الطلبة يفضلون المدارس الخاصة لإيمانهم بأن أولادهم سيحظون بمستوىً تعليمي أفضل لما تتسم به من أعداد نموذجية في الصفوف، والمتابعة المستمرة من قبل المعلمين والإداريين.

فهنا يظهر كيف أن القطاع التعليمي الخاص يساهم في العملية التعليمية إلى جانب القطاع العام، ولكن تلمسنا في الآونة الأخيرة تغيراً جوهرياً طرأ على المؤسسات الخاصة في عدة نواحٍ،
منها تحول بعض المدارس الخاصة من مؤسسة هدفها الأساسي التعليم، إلى منشأة تجارية، تدرّ الأموال وتهدف إلى جني الأرباح العالية، وتظهر تأثيراته على تراجع مستوى التعليم فيها، واهتمامها بمظاهر الترف والرفاهية والأنشطة الترفيهية، التي يستقطبون الناس من خلالها.

إضافة إلى تغيّر غايات الأهل، فقد تسربت إلى نفوسهم رغبات ثانوية مثل حبهم بالتفاخر أمام أصدقائهم ومحيطهم باسم المدرسة، بغض النظر عن مستواها التعليمي بل فقط تبعاً لفخامة البناء، والمكان والمبلغ المدفوع، كلها أثرت على قرار اختيارهم للمدرسة التي سيعلمون أطفالهم بها.

رقابة غير فعالة

عندما نسمع الأهالي يشتكون من تراجع مستوى التعليم الخاص في بعض المدارس، يتبادر إلى الذهن مباشرةً تساؤلات عدة عن دور وزارة التربية في متابعة العملية التعليمية في المدارس الخاصة، وإلى أي مدى تجري مراقبتها والإشراف عليها، وهل هناك فعلاً إشراف مباشر ومستمر على هذه المدارس؟!
أو أنهم يكتفون بجولات متفرقة ومتباعدة من قبل الموجهين المشرفين على هذه المدارس ممّن يشك أحياناً بتقدير بعضهم للمسؤولية الملقاة على عاتقهم، بالكشف عن أية مخالفات أو إهمال أو تقصير داخل المدرسة، ونقلها للجهات المسؤولة لاتخاذ الإجراءات المناسبة،
وإلى أي مدى تتحكم الوزارة بالأقساط المدرسية، وعلى أي أساس تسمح الوزارة بأن يصل قسط بعض المدارس الخاصة إلى رسوم ضخمة جداً تتعدى النصف مليون ليرة سورية!!؟

أقساط مُبالغ فيها

في ظل هذه السنوات السبع اجتاحت موجة الغلاء وارتفاع الأسعار كل مفاصل حياة المواطن السوري، وبالطبع لم تكن المؤسسات التعليمية بمنأىً عن هذا الحراك، فارتفعت أيضاً أقساط المدارس بشكل لا يوصف.

لذلك سنستعرض الأسعار الحالية لهذه المدارس حسب تصنيفها الذي يشبه تصنيف الفنادق، ولنلاحظ معاً ارتفاع الأقساط حسب المرحلة التعليمية ومنطقة المدرسة دون التشديد على جودة التعليم فيها.

في مرحلة الفئات التمهيدية ما قبل مرحلة التعليم الأساسي، تتراوح الأقساط من 75-120 ألف ليرة في المدارس المصنفة بثلاث نجوم، وتصل إلى 150-200 ألف ليرة في مدارس 5 نجوم، كما تصل الأقساط إلى نحو 450 ألف ليرة في مدارس 7 نجوم.

أما في مرحلة التعليم الأساسي والثانوي فتصل الأقساط إلى 350 ألف ليرة في أغلب المدارس، أما في المدارس الفخمة فتتخطى الأقساط 500 ألف ليرة، وطبعاً كل هذه الأسعار لا تشمل أجور المواصلات.

وللمواطنين والأهالي آراء في موضع أقساط المدارس الخاصة، بثّوها لصحيفة (النور) في نداءات علّها تصل إلى أصحاب القرار، يقول (م.ه): (يجب عليّ أن أخرج من جيبي 1000ليرة يومياً، وأدخرها لأستطيع أن أضع طفلي في مدرسة خاصة، الأقساط المدرسية أصبحت مرتفعة للغاية ولا أعرف الأسباب التي قد تبرر هذا الارتفاع المستمر).

أمّا السيدة (ن.ت) فتقول:
(لدي طفلة في عمر 6سنوات، وعندما أفكر بأن علي أن أضعها في مدرسة خاصة، سيكون علي أن أتعاون أنا وزوجي في تسديد رسومها البالغة 150ألف ليرة، فهو يساوي إيجار منزل لمدة شهرين، و يعادل راتب أربعة أشهر، ونحن لا نستطيع تحمل تكلفة المدرسة الخاصة إلا بشق الأنفس، ولا نودّ إدخالها مدرسة عامة، بسبب أعداد الطلاب الكبيرة في صفوفها وتراجع مستوى مدرسيّها إلا ما ندر).

ولهذا فإن من يود إدخال طفله لمدرسة خاصة يُصدم بالرسوم المرتفعة التي تطالب بها هذه المدارس، فهي لا تتناسب مطلقاً مع دخل كثيرين، ولكن في ظل مستوى تعليمي متراجع باستمرار على صعيد الخاص والعام،
فهل من المعقول أن تفرض مثل هذه الأقساط مقابل الخدمات التعليمية، التي لا تختلف في كثير من الأحيان عن جودة التعليم في المدارس العامة، مع العلم أن أغلب نسب المتفوقين والأوائل لا تخرج من المدارس الخاصة بل تكون نالت تعليمها في القطاع العام.

فما هي الاعتبارات التي تحدّد على أساسها قيمة القسط لكل مدرسة؟ وهل تلتزم المدارس الخاصة بتسعيرة الدولة؟ ومتى سيصبح دور الدولة فعالاً في ضبط الأقساط المدرسية في التعليم الخاص، والسيطرة على ارتفاع الرسوم الهائل الذي يجري في كل عام؟
ألم يحن الوقت لتقوم وزارة التربية بالإشراف أكثر وبقوة على العملية التعليمية، والعمل على رفع مستواها في كلا القطاعين العام والخاص، للنهوض من جديد بالتعليم وتطويره،
والحد من جشع بعض الذين يعتبرون المدارس مشروعاً تجارياً بحتاً، كغيره من المشاريع، الذي هو في حقيقته مشروع تربوي لبناء الإنسان قبل كل شيء.

 

تمت قراءته 76 مرات