العدد:776
تاريخ: 19/ تموز/ 2017
 

مارقون.. مسؤولون.. وأطباء السيليكون.. تجميل القبح!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 في وطن جميل، ساحر، أخاذ بكل أنفاسه وعبقه وروحه، لا بد له أن يدفع ضريبة كل ذاك، فقدر كل جميل أن لا يهنأ بجماله، فعيون الحاسدين والمبغضين ستنال من بركة ذاك الجمال كي يصبح نقمة على حامله.. فكل جميل محارَب، وكل رحيم لا بد له من سهام تنال من منبع الرحمة فتدمي قلبه..

(جمالية القبح) هي عبارة ضجّت بها أشعار الشاعر بودلير.. والفكرة هنا في قبح هذ العالم وحروبه ودماء أبنائه وأشلاء أطفاله.. فلا بدّ عندئذ أن نكتب ونمجّد القبح كي يصبح جميلاً، لا بد أن نرى القباحة متجسدة بكل ما هو مؤلم.. ولكننا كبشر ينبغي علينا أن نتخطى القبح ونزرعه في تفاصيل ألمنا لينبعث ديساً(توتاً برياً) أشواكه أصعب وأشد إيلاماً من حلاوة ثماره.

القبح: أولاً في عقول من أشعلوا الحرب.. وفي قلوبهم، هم المارقون بأفكارهم السوداوية في السيطرة على بلد عنوانه وعنوان أبنائه الجمال الطبيعي، ولكنهم جمّلوا ذاك القبح بداية وحَشَوا به عقول البسطاء، فصار الموضوع مطالبة بالحريات التي أفضت لكل هذا الخراب والدمار. القبح: ثانياً عندما جمّل أولئك البسطاء مفهوم الحرية، فطالبوا به بطريقة أشد قبحاً من القبح بذاته لينقلب حرقاً للمباني الحكومية، وقتلاً وتقطيعاً ووحشية ضد أبرياء مازالوا يعيشون جمالاً صافياً يرفضون التخلي عن تفاصيله.. والحديث هنا عن جمال ونقاء السريرة والفطرة السورية التي مازالت إلى اليوم، ورغم كل ما يحيط بها من قبح هذا العالم، محافظة على الجمال نفسه والطهارة الفطرية ذاتها.

ومع ازدياد القبح في تفاصيل بلد نالت منه الحرب وازدياد الثروات بأيدي فئة معينة امتهنت النهب والسرقة، يزداد بالوتيرة نفسها نشاط أطباء التجميل بشكل غير مسبوق في هذه الأيام والهدف تجميل قبح الوجوه النسائية التي ترتاد تلك العيادات وتدفع أموالا طائلة كي تصبح أجمل.. فقبح سريرتها وقبح الأموال التي نهبها زوجها من جيوب الفقراء، والتي حشت بها جسدها فانقلبت بشاعة في وجهها، وتجاعيد في وجنتيها، وهالات سوداء تحت عينيها وتساقط لشعرها.. عندئذ لابد لها من طبيب السيليكون الذي سيجمّل قبحها.. ولا أقبح من نساء هذا الزمن حين يملأ السيليكون وجوههن وأفواههن بطريقة منفرة بعيدة عن كل مفهوم للجمال...

وكما يفعل طبيب التجميل في التركيز على مفهوم جمالية القبح وانقلاب المفاهيم الجمالية في الوقت الحاضر، يحذو حذوه المسؤول السوري في ظل ظروف الحرب.. فيشرع هو الآخر سيليكوناً، لكن، من نوع خاص يحقن به القلوب المتعبة، والجيوب الفارغة، ومعدات الأطفال الخاوية كي يجعل محلّ قبح كل ذاك جماليةً تخصّه وحده، فينفي صفة الغلاء والجوع المرافق لها ويجعل محلها قبح تبريراته السيليكونية الخادعة، فيظهر للرأي العام كطبيب ولكن ليس كأي طبيب.. طبيب السيليكون لتجميل قبح تسبب هو في ظهوره كمعاناة في وجوه وقلوب المواطنين البسطاء.

لو أن هنالك سيليكوناً خاصاً حقيقياً يجمّل ضمائر مسؤولينا في زمن الحرب هذه، فيملأ تجاعيد وجوههم التي حفر المال وبريقه أخاديد عميقة فيها، فيردمها ويسوّيها أرضاً كي تتجمل وجوههم قليلاً، فيراها المواطن صالحةً لبث شكواه وبث معاناته.. عسى بإزالة تلك التجاعيد أن يصبح الوجه جميلاً إنسانياً معطاءً.

لو أن هنالك سيليكوناً خاصاً لنفخ ضمائرهم قليلاً كي يشعروا بشعور المواطن الذي أذهبت الحرب كل ما هو جميل في حياته.. فالضمير هنا إن لم يكن كبيراً لن يشعر بمعاناة الناس..

يريد المواطن السوري(بلازما) حقيقية لمسؤوليه.. وهي طريقة حديثة في التجميل تعتمد على حقن دم المتجمّل ولكن في أماكن معينة في الوجه تعيد له الحيوية والنضارة والشباب.. يحتاج المسؤول إلى بلازما تعيد الدماء الفتية والنضارة والحيوية إلى وجهه كي يصبح جميلاً عسى بتلك العملية أن يجمّل حياة المواطن ولو قليلاً.. أن يلتفت إلى هموم من رزخ تحت وطأة الحرب فأضحت حياته قبحاً بقبح...

سيليكون يجمّل القبح فعلاً.. فيزيحه جانباً، ويقصيه بعيداً، ويُحِلّ محلّه جمال السريرة ونقاءها كي يصبح المسؤول جميلاً يضج حيوية وضميراً.. عسى أن ينعكس ذاك الجمال فيمهد الطريق نحو منازل البسطاء وقلوبهم فينقلب قبح حياتهم جمالاً..

 

 

تمت قراءته 112 مرات