العدد:769
تاريخ: 17/ أيار/ 2017
 

!الفوضى وتجارة الوهم تزدهران في سورية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

الحقيقة مؤلمة لكل إنسان يصطدم بالواقع مكتشفاً أن ما سبق حالة الواقع مجرد وهم عاشه بترددات متوترة من الشعور بالرضا والثقة بأنه الآن هو الأفضل، في ضرب من خيال حاكه له صيادون ماهرون بصناعة الأوهام، هذا ما يعيشه اليوم مجتمعنا في ظل فوضى اللاقانون التي غيبت جواهر المجتمع فاضحة مفاتنه بابتذال وبشاعة مقززة تغري الدنيء بملذاته، فالوهم هو أول الملذات، كما قالها أوسكار وايلد.

تنمية وبرمجة ودورات بأسعار خيالية

انتشر في السنوات الأخيرة عدد كبير من مراكز ومعاهد البرمجة اللغوية العصبية والطاقة والتنمية وغيرها من التسميات المختلفة والمتنوعة القائمة على برامج تدريبية لمدة ساعات تحدد بيومين حتى أسبوع، وبمدربين متخصصين حسب ما تنشره في إعلاناتها الجذابة اللامعة، من دون أن نعلم ماهية دراستهم أو حتى الشهادات التي يحملونها، وما إن كانت خاضعة للتعديل الوزاري بالتعليم، وقد ازداد عدد هذه المراكز والدورات ازدياداً يفوق التصور، فلا تخلو مدينة منها بما لا يقل عن 5 مراكز، ويتخطى عددها في المدن الكبيرة ما يفوق  30 مركزاً، وبأسعار مرتفعة تحكمها نوعية الشهادة ومصدرها أو المستوى التدريبي للمتدرب. والسؤال يبقى هنا: ما هي المادة التعليمية؟ ومَن وضعها؟؟

 بمتابعتنا لبعض الدورات المقامة هنا وهناك لاحظنا عدم وجود أسس واضحة لمنهاج تعليمي، وما لفت انتباهنا هو تحفيز الأشخاص بما لا يتوافق مع واقع حياتهم، كما أن البعض جعل الدين مركز اهتمامه في شحذ طاقة الفرد وقدراته التي سرعان ما يكتشف بأنه لم يتقدم خطوة واحدة في حياته وبأنه بعيد بعداً كلياً عن واقعه.

مراكز للصحة الطبيعية والغذاء تبيع الوهم بخطورة

لم تتفرد مراكز البرمجة والتنمية البشرية بالساحة بل لحقت بها مراكز العلاج الطبيعي والصحة والعلاج بالطاقة وبيع المأكولات الطبيعية التي باتت تنتشر كوباء ضمن فوضى يعيشها المجتمع اليوم دون حسيب أو رقيب أو حتى رقابة على السلع التي تباع للمواطن الذي يجدها ملجأً لمرض خطير أصابه لعلّها تكون بيت دوائه وشفائه، وببحثنا في الموضوع بجدية واسعة حصلنا على التالي :

أغلب أصحاب هذه المراكز ليسوا أطباء، بل أغلبهم مهندسون زراعيون أو غير ذلك.

التراخيص.. مسؤولية من؟؟

 نتساءل مرة أخرى: من يمنح هذه التراخيص لهذه المراكز؟ وهل وزارة الصحة هي صاحبة الترخيص حسبما يقول أصحاب هذه المراكز؟ لنفترض ذلك، فهل بحثت وزارة الصحة ودققت بمصدر الشهادة وسألت عن اعتمادها بالتعليم العالي؟؟ هل شغلت رقابتها على المواد التي تحتويها هذه المراكز والتي تباع للناس وما إن كانت صالحة للاستهلاك البشري أم لا؟؟ لن نحمّل التموين هنا المسؤولية، فالأمر عائد لوزارة تسمى وزارة الصحة عليها العمل عليه والتدقيق به ومحاسبة المخالفين والمتاجرين بصحة المواطن وحياته.

شهادات في الإعلام

 لم يقف الأمر عند الصحة والتنمية، فشاركهما الإعلام أيضاً التقصير برقابته لدورات وورش مأجورة وبأسعار خيالية يقوم بها مراسلون وغيرهم ممن يدعون مهنة الإعلام، تبيع شهادات وغيرها للشباب الحالم بمهنة إعلامي، وقد كثرت خلال السنوات الماضية، ويكتشف المتدرب بعدئذٍ أنه أخطأ ولم يتعلم شيئاً سوى أنه دفع مبالغ كبيرة مقابل ورقة كتب عليها شهادة في التحرير والتقديم...الخ.

 وبحديث إلى صحيفة (النور) مع الباحث الاقتصادي محمد رويم حول ظاهرة انتشار هذه المراكز والدورات بكثرة، من الوجهة الاقتصادية والعلمية، فصرح قائلاً:

رواج دورات التنمية البشرية وما يسمى البرمجة اللغوية العصبية هي ظاهرة اقتصادية واجتماعية أكثر مما هي ظاهرة علمية، تعكس من ناحية هوس الشباب وطموحهم إلى نجاحات سريعة يأملون تحقيقها عبر هذه الدورات، ومن ناحية أخرى رغبة مروجي هذه الدورات في تحقيق أرباح وفيرة وسريعة، ولكن المدقق في مدى الفائدة الفعلية من هذه الدورات سيجد أن ليس كل ما يلمع ذهباً، فصورة الشاب الوسيم الذي يرتدي بزة رسمية ويحمل حقيبة دبلوماسية ويكاد يطير في الهواء كتعبير عن سرعة النجاح، وصورة الشابة الفاتنة التي ترتدي نظارات وتحمل بيدها ملفات ورقية وتقف في وسط طاولة اجتماعات ضخمة، هذه الصورة النمطية التي يروج من خلالها لهذه الدورات كثيراً ما تكون خادعة وتنتهي بخيبة أمل بعد أن يصطدم الضحية بالواقع العملي والمجتمعي.

تساؤلات برسم الصحة والتنمية والإعلام والتعليم

تتساءل صحيفة (النور) حول تفعيل رقابة هذه الوزارات بجدية في مكافحة هذا الداء الخطير على المجتمع السوري، والذي يعمل على نشر ثقافة الوهم لدى الشباب بسرقة دوافعهم نحو العمل لبناء المجتمع وسرقتهم مالياً وتحطيم قدراتهم.

وقد رأينا توجهاً خلال الأيام الماضية لوزيرة التنمية بمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة وندعو هنا باقي الوزارات للتحرك في تحريها ورقابتها وخصوصاً الصحة والتعليم بمحاربة هذه الظواهر القاتلة للمجتمع فيما بعد.

 فالإصلاح يبدأ بالرقابة والعمل الجاد.

 

تمت قراءته 33 مرات