العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

أبناؤنا في خطر.. فهل تسمعون؟!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 لن أخفيكم سراً بأن الذي دعاني إلى هذا العمل هو ما شاهدته بأمّ العين في إحدى صالات الألعاب الخاصة بالأولاد. يومذاك طلب الأول من الثاني أن يتعامل مع سيارة الشرطة التي تلاحقه بقذيفة (ر ب ج) وهذا ما حدث بالفعل، فالولد في الكوة الثانية صفق قائلاً: لقد دمرتها!!. توقفت قليلاً لأتابع حركات مجموعة من الأولاد تتراوح أعمارهم بين العاشرة والسابعة عشرة، متوتري الأعصاب مشدودي الانتباه إلى الشاشات الموضوعة أمامهم، وكم تمنيت لو أنهم هكذا في مدارسهم أثناء شرح الدروس لهم!

كان لا بد من الدخول إلى عالمهم لمعرفة الأسباب والدوافع الكامنة وراء تلك الحالة اللاصحية في مجتمعنا وبين شباب بعمر الزهور نتمنى لهم دوماً الصحة الجسدية والنفسية لأن المستقبل مرهون بنجاحهم!. تعالوا معي في هذا التحقيق لنستمع إلى آراء من هذه الشريحة المهمة في المجتمع:

رهبة مؤقتة من القتل

عيسى عمار وجورج يعقوب (الصف السابع): نرى في العاب الكومبيوتر وخصوصاً ما يسمى (الكونترا، جي تي إي، الجنرال) متعة حقيقية نحصل عليها من خلال الصراع مع صديق لنا يجلس خلف شاشة أخرى ونسعى كلٌ منّا لقتل الآخر. يعجبنا في هذه اللعبة قتل الآخر ثم عودته للحياة ثانية لنعاود الصراع في سبيل القتل مرة ثانية.. في البداية كنا نخاف من منظر الدم ولكن مع الأيام تعوّدنا على ذلك، والآن لا نستطيع الامتناع عن هذه اللعبة. هناك ألعاب أخرى كأن نسرق سيارات مثلاً ونسير بسرعات جنونية ندهس من يصادفنا في الطريق، وعندما تلاحقنا الشرطة نرميها بالأسلحة المتوفرة معنا! طبعاً هناك العاب أخرى لا تحوي قتلاً ودماء كأن نقوم بسرقة محل ذهب أو سيارة واصطحاب فتاة معنا والخروج لقضاء أوقات جميلة معها!

علاء مرهج (الصف الحادي عشر): يستهويني في اللعبة الأنواع المتعددة من الأسلحة وعملية القتل والعودة إلى الحياة.. هي مجرد لعبة جماعية فيها قتل غير واقعي.. هذا النوع من الألعاب يستهوي الشباب مع العلم أن هناك العاباً أخرى ولكنها غير مثيرة ولا تشدّني. يمكن أن أترك اللعبة متى أشاء بالرغم من تعلقي الشديد فيها.

مناظر بشعة

فهد عمار (الصف السادس): لا تستهويني لعبة (الكونترا) وعمليات القتل للبشر البشعة، بل أجد متعة في مطاردة أو ملاحقة الوحوش واصطيادهم.. أستمتع بقتل الوحوش كالضباع لأنني أكرهها، لكن لا أحب الألعاب التي تحوي دماء ومناظر قتل للبشر!

علي صالح (الصف السابع): لا أحب هذا النوع من الألعاب لأن فيها قتلاً ودماً وكلاماً بذيئاً.. أنا أحب أن ألعب كرة قدم. هناك طريقة للقتل في لعبة الكونترا كما أخبروني هي الذبح بالسكين، وهذه تولد حساسية بين اللاعبين لأن من يموت بالسكين هو ضعيف، وهذه الطريقة قد تتسبب بالعديد من المشاكل والخلافات الحقيقية بعد اللعبة.. هذا النوع من الأشرطة يخرّب عقولنا وأنا أعتقد أن ما نشاهده الآن ونسمع به في شوارعنا هو نتيجة من نتائج أشرطة كهذه!. ألعاب كهذه سلبية وتسيء لأفكارنا!. لا أتقبّل منظر الدم من إنسان مثلي حتى ولو في لعبة!

بطولة وهمية

حسان محمود (سنة رابعة أدب عربي): كنت أمارس هذه الألعاب في مرحلة التعليم الثانوي، واللعبة بطبيعتها تعتمد على استخدام العديد من أنواع الأسلحة لتصل في النهاية إلى القتل. هذه الأشرطة تنمي في أذهان طلابنا وشبابنا في بداية أعمارهم الشعور بالغرور وتخلق فيهم البطولة الوهمية.. هذه الأشرطة تأتي في سياق الحرب الثقافية والفكرية التي يمارسها علينا الآخرون، في ظل غياب مؤسساتنا الفكرية والثقافية !. على الأهل مراقبة أولادهم بشكل صارم للحيلولة دون ضياعهم، وفي الوقت نفسه على الجهات المختصة مراقبة مراكز بيع الأشرطة وصالات الألعاب.

أحمد حمودي ورامي مخول (الصف التاسع): اللعبة هي وسيلة للتعرف على أصدقاء جدد وليست لمجرد القتل.. نحن لا نحب المطالعة ونبصم بالعشرة أن خمس دقائق نقضيها باللعب والقتل والمطاردة أفضل من قراءة عشر مجلدات!. الصيف من أجل اللعب وليس من أجل القراءة!. أثناء اللعب نحسّ وكأننا أبطال!

بهاء ديب (الصف التاسع): ألعاب كهذه تضر بالوعي وتخرّب العقل وتزرع في نفوس الأولاد البطولة المزيفة ويصبحون أقل خوفاً من قتل الآخر بمختلف أنواع الأسلحة أو حتى باستخدام السكين وذبحه.. وهي تضر بجيل الشباب، وأتمنى من الأهل مراقبة أولادهم وتوجيههم بالابتعاد عنها والاتجاه إلى تلك الألعاب التي تنمي الفكر!

علي سليمان (الصف الثامن): أحس وأنا أطلق النار بأنني بطل حقيقي وبإمكاني إصابة أيّ هدف.. مع مرور الأيام قد يصبح القتل أمراً عادياً، وطبعاً هذا أمر غير عادي وأرى أنه من واجب الأهل مراقبة أولادهم ومنعهم من ممارسة هذه الألعاب!

محمود عيسى (حقوق سنة أولى): لعبت الكونتر في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي وكانت تشدني لأنها جماعية وفيها الكثير من التحدي.. الخصم هو صديقي فإمّا أن أقتله وإمّا أن يقتلني.. من مساوئها اعتمادها على القتل وامتلاك الأسلحة وعدم الخوف من رؤية الدم أو من قيام البعض بذبح أصدقائهم باستخدام السكين.. ألعاب كهذه تنمّي في نفس من يمارسها القوّة المزيفة وحب الجريمة والقتل ولدي صديق كنت ألعب معه كان دائماً يصرّ على أن يقتلني ذبحاً !!.أنا أعرف بعض الأولاد الذين كانوا يضطرون ليسرقوا من أي مكان للحصول على المال من أجل هكذا العاب!. نعم إنها تنمي فينا استسهال السرقة إلى جانب استسهال القتل!

العاب أخرى مفيدة

 محمد إسماعيل (الصف الخامس): أنا أكره هذه الألعاب بالرغم من أنني لعبتها في فترة قصيرة، ولكن لم تعجبني لما فيها من مناظر مخيفة وبشعة كمنظر الدم عندما تقوم بقتل أحد ما.. حالياً ألعب الشطرنج وهو من الألعاب الراقية والمفيدة، وأحياناً أقوم بقراءة بعض القصص إضافة إلى الدورات التعليمية الصيفية.

علي إسماعيل (الصف السابع): الفترة القصيرة التي لعبت بها هذه الألعاب لم تستهويني.. هذه الأشرطة تنمي في نفوس من يمارسها حب القتل والإجرام وتصبح تلك المناظر مألوفة لديه. أنا ضد هذه الألعاب لأنها تسيء إلى عقول الشباب لأن من يمارسها يتعود على أخذ حقه بالقوة والعنف ويبتعد عن الحوار!.أنا ألعب كرة قدم وألعب شطرنج أيضاً!

باعة الأشرطة يقولون

حسام ورفعت اليوسف (أصحاب محلات لبيع أشرطة) يتحدثان عن الإقبال الكبير على أشرطة العنف من قبل شريحة هامة في المجتمع هي شريحة الأولاد في سن المراهقة، بالرغم من أن هذه الأشرطة كانت ممنوعة في مرحلة معينة. لكن ازدياد الطلب عليها شجّع الشركات التي تنتجها لمتابعة طرحها في الأسواق.. هناك إجرام حقيقي في هذه الأشرطة وهناك بعضها يحتوي على صور لا أخلاقية تسيء إلى الشاب في هذه المرحلة العمرية. أكثر الذين يطلبون الأشرطة هم بين سن (10- 17 سنة). هناك العديد من الأهالي يطلبون هذه الأشرطة لأولادهم دون أن يعرفوا محتواها وهكذا يشترك الأهل في تخريب عقول أولادهم وتحويلهم إلى قتلة دون دراية. الأشرطة ومناظر القتل والدم تؤثر كثيراً في سلوك الأولاد الذين يلجؤون أحياناً لتطبيقها في المدرسة أو الشارع!.نتمنى من المسؤولين والأهل والمدرسة الانتباه إلى هذا الجيل قبل ضياعه وتحويله إلى مجرمين!

آراء..

المدرّس عيسى خليل تحدث عن ضياع هذا الجيل وعن انحلاله أخلاقياً ومعرفياً وسلوكياً بعد أن سحبوا من يد المدرّس معظم الصلاحيات التي تقوّم سلوك الطلاب. هذه الأيام المدرّس يخشى من الطلاب بعد أن تحولوا إلى عصابات في المدارس يمارسون الفوضى والشغب وما حفظوه من أشرطة العنف والقتل.. أتمنى أن تعود للمدرّس هيبته على الطلاب، وأتمنى من الجهات المسؤولة في وزارة التربية فتح دورات توعية لمخاطر هذه الأشرطة والألعاب حفاظاً على البقية الباقية من أجيالنا!

المرشدة الاجتماعية زينب سلمان تحدثت عن دور الأسرة خلال العشر سنوات الأولى من حياة الطفل، واعتبرت أن الألعاب بشكل عام تنمي مواهب وإبداع الطفل، ولكن على الأهل أن يعرفوا كيف يوجهون ذلك بالاتجاه الايجابي وليس السلبي.. التواصل الاجتماعي ضروري للطفل وهو لن يطلب شيئاً إن لم يره أو يسمع عنه، وهنا يأتي دور الأقران أو الصحبة. عمليات القتل تكون مؤثرة في عمر (7- 9 سنوات) وقد قرأت دراسة غربية لمجموعة من الأطفال الذين كانوا يمارسون العنف في صغرهم استمرت معهم تلك الحالة حتى في كبرهم!.كل ما من شأنه أن نخفيه عن الأولاد سيسعون لمعرفته بطرق أخرى، ولكن قد يحصلون على تلك المعرفة بشكل مشوّه ومغلوط فلماذا لا يقوم الأهل بتوعية الأولاد إلى بعض الحالات التي قد تعترضهم حتى ولو كانت جنسية!. لدينا تراث وعادات وتقاليد يجب الحفاظ عليها وعدم التفريط بها تحت شعار(ما حُرمت منه لن أحرم ولدي منه). الأم والأب هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن الانفلات الأخلاقي وعلى المدرسة أن تكمّل الدور بعد امتلاك الجهاز التدريسي لصلاحياته التي كانت معه سابقاً!

صرخة.. فهل من مُجيب ؟!

من خلال لقائي بأكثر من مئة شاب بين سن (10-18سنة) في مناطق طرطوس أحسست بأن لدينا مشاريع مجرمين حقيقيين يشكلون عصابات بكل معنى الكلمة يلتقون في المدرسة والشارع وصالات الألعاب يستسهلون ويستهوون عمليات القتل بمختلف الطرق والوسائل والسعي بالطرق غير الأخلاقية للحصول على المال من خلال تلك الألعاب.. ما نتمناه من الأهل والجهات الرقابية ووزارة التربية الانتباه السريع والفوري إلى انتشار هذه الظاهرة المرضية حفاظاً على صحة شبابنا النفسية والجسدية والفكرية!.

هي صرخة في أذن المسؤولين.. فهل من مُجيب قبل فوات الأوان ؟!!

تمت قراءته 42 مرات