العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

بين خرائب الحرب ورممها..هل يكفي الحب؟

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 لا يكون الإنسان عظيماً إلا بالنور الذي فيه، والنور هنا هو الحب، هو تلك الشرارة السماوية الموجودة فينا جميعاً التي لا تنتمي إلى أي عرق أو طائفة أو مذهب مهما كان نوعه، قبس من روح الله يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، ليرتسم ذاك الطريق المؤجج بلهيب العواطف وأرقى الأحاسيس.. فتفيض الأرواح الآدمية بالحب لتجد لها طريقا سامياً بين مسالك ومعارج السماء فتسمو به.

تعيش القلوب النابضة بالحب على هذه الأرض وتجتاحها في لحظات عمرها هزاتٌ وخضّات تدمي ذاك القلب فتفتته ألماً وتمزقه إرباً.. وقد تكون لحظات بتجارب شخصية منفردة بشتى صنوف البلاء أو قد تكون آلاماً جماعية وطوفاناً أو بركاناً يذهب كل من حوله فتصهر حممه الكبير والصغير دونما استثناء.. وها هنا في سورية أتت جميع الملمات، فقد أطلت الحرب ببركانها الحارق فحرق معها الأخضر واليابس.. وطافت الأرض بالدماء والجثث.. وعمّت الفوضى والخراب كل مكان، وانتشر الجوع والفقر والمرض والبرد كلحظة انتشار الارهابيين من كل صوب وحدب أرضنا فأشبعوا بلادنا قتلاً ودماراً وحريقاً وأسى..

وبين ذاك العتم والليل الحالك، وبين النواح والبكاء المستمرين منذ بداية الحرب إلى اليوم، ألن نخجل في أن نسأل عن الحب بين دماء تلك الحرب ورممها وخرائبها؟ ألن تمزق أنات الثكالى وأوجاع قلوبهن سؤالنا لهم عن الحب؟ هل سيجد الحب طريقه لدى من وجد الموت في حياته مسلكاً فأصاب سهامه قلبه فأدماه وفتته وذراه للريح؟ سنستحي وإنسانيتنا معنا أن نسأل عن نبضات الحب التي اغتالها من قرروا الحرب من كبار المستعمرين ومن أكملها وزاد سعيرها كصغار النفوس من تجار ومرتشين..

ولكن أليس البكاء والنواح على من ماتوا هو أسمى معاني الحب؟.. بل هو فيض الحب المترجم دموعاً وبكاء منقطع النظير، وديمومة لقلب يحب وما زال، لطيف حبيب غاب وجهه تحت التراب..

أوليس الرجل الذي هام بين طرقات وطنه المكلوم حرباً، فجال في شوارعه بحثاً عن لقمة تسد رمق أولاده، أو وقف في طابور طويل للحصول على بعض المحروقات كي يدفئ أجساداً غضة فيحرم البرد من نشب مخالبه فيها.. أليس هذا حباً؟

وذاك الستيني الذي هجرته عائلته بعيداً وتركته وحده، فرفض الهجرة لأنه لا يقدر أن يعيش خارج أسوار دمشق.. فنمت براعمها داخل روحه وأضحى معها شجرة ياسمين تقاوم العواصف..أوليس هذا حباً؟

ولفتة ليست بعيدة إلى خطوط الجبهات حيث يصارع الجندي السوري أعتى الوحوش، بدمه وكيانه وإيمانه بوطنه متحملاً شتى أنواع البرد والجوع والخطر.. والسؤال الوجودي هنا، أوليس هذا حباً؟

وأولئك المهاجرون والوطن يسكنهم ويحيا معهم ويشرب قهوته صباحاً في أعينهم.. قد هاجروا لأن الحرب هدمت كل ممتلكاتهم فكان لابد من الرحيل.. تلك الدموع في مآقيهم على ذكرى أوطانهم أليست حباً؟

وذاك الطبيب أو الطبيبة الذين فتحوا عياداتهم ومجاناً بوجه الفقراء وذوي الشهداء ومن ضاقت بهم السبل.. أليس ذاك حباً؟

والتاجر الذي قنع بالقليل وراعى الظروف.. وتلك الجمعيات الخيرية في كل مكان.. وتلك الصبية التي مازالت تنتظر حبيبها الجندي.. وعمال الكهرباء من تحدوا كل العراقيل.. والموظفون الذين مازالوا على رأس عملهم رغم الأخطار كي تستمر الدولة ومؤسساتها..أليس كل ما ذكر حباً؟

نعم.. يكفينا الحب لنكمل مسيرة آلامنا بسلام وراحة.. حب سوري مختص بالسوريين الشرفاء تحديداً، سيخلدهم ذاك الحب يوما وسيحكي عن حرارة قلوبهم التي أذابت صقيع أيام الحرب المشؤومة.. سيبقى الحب وستنتهي الحرب وتأخذ معها كل من أوقدها وأطال أمدها.. وعندئذ ستسطر الأبدية ذكرى الحب السوري لأن الأبدية لا تحفظ الا المحبة..لأنها مثلها.

تمت قراءته 778 مرات