العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

قامات سورية....بدوي الجبل

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

قال نزار قباني: (بدوي الجبل السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي، في حنجرته ألف لبيد وألف شريف رضي وألف أبي تمام. لا تستطيع إلا أن ترفع قبعتك وتنحني باحترام أمام عبقريته). وقد ذهب عبد الوهّاب البياتي أبعد، فقد قال: (من يكتب شعراً بعد بدوي الجبل فسنرميه بحجر).

ولد بدوي الجبل في قرية ديفة، وهي من القرى الجبلية المتناثرة قبالة الساحل السوري في عام ألف وتسعمئة وخمسة ميلادي، وعلى يدي والده الشيخ سليمان الأحمد كانت تربيته الدينية والأدبية.

 يقول بدوي الجبل: (بدأت القراءة بالقرآن الكريم ثم قرأت على أبي، برغبة منه، الحديث الشريف، ونهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم قرأت على أبي بعد ذلك اللزوميات لأبي العلاء المعري، وكان معجباً بها، وله شرح على اللزوميات لم يكتب في العربية من طرازه عن أبي العلاء. ثم قرأت عليه شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي والحماسة لأبي تمام. وكان أثناء قراءتي يفسر لي المفردات والمعاني، ويلفت نظري إلى جمال الصور، ويصحح لي كل خطأ أخطئه عند التلاوة، ولا سيما عين المضارع).

سبب تسميته ببدوي الجبل

الاسم الحقيقي لبدوي الجبل هو محمد سليمان الأحمد، ولعل الصواب في ذكر سبب هذه التسمية قد وافق أكثر ما وافق المرحوم محمد الخطيب في دراسته التي نشرها عن بدوي الجبل عام ألف وتسعمئة واثنين وستين. كان شيخ الصحافة العربية إذ ذاك الأستاذ يوسف العيسى قد ذكر في صحيفة (ألف باء) نبأ المناضل الأيرلندي (ماك سويني) الذي أعلن الصيام حتى الموت احتجاجاً على وجود الإنكليز في بلاده وألّف صلاة وطنية بدأ الأيرلنديون يرتلونها في كنائسهم. وقد هز هذا الموقف شاعرية الفتى، فكتب من وحي ذلك قصيدة مثبتة في ديوانه وأرسلها إلى الصحيفة. وفي اليوم التالي راعه أن يجد القصيدة منشورة وقد ذُيِّلت بتوقيع (بدوي الجبل). ولما ذهب ليحتج لدى صاحب الجريدة قابله هذا الأخير بكل مودة وتقدير، ثم تلطّف في الحديث إليه فقال له: إن اسمه في ميدان الشعر مازال مغموراً وإن الناس قد تعودوا أن يقرؤوا لأسماء معروفة لديهم، لذلك لم يكن هنالك بُدٌّ لجذب هؤلاء القراء من أن يقدم لهم هذا الشعر البديع تحت اسم مستعار.

وفي الواقع فقد أخذ الناس حين ذاك يخمنون أن بدوي الجبل إما خير الدين الزركلي وإما خليل مردم، ومضى الأمر هكذا عاماً كاملاً، كانت القصائد التي تحمل توقيع بدوي الجبل تتوالى على صفحات(ألف باء) وكان الناس يقرؤونها ويطربون لها ويمضون في حدسهم وظنونهم. وفي نهاية العام أقام يوسف العيسى حفلة دعا إليها علماء البلد ومثقفيه، وقدم إليهم بدوي الجبل، وقد دهشوا لمّا عرفوا في هذا الفتى الغض الإهاب ذلك الشاعر الكبير الذي أطربهم وأعجبهم.

إن الذي أوحى بهذا اللقب ليوسف العيسى هو لباس الشاعر البدوي، فقد كان يرتدي العباءة والعقال الذهبي المقصب، فكان بدوي المظهر، في حين أنه ينحدر من الجبل، وهكذا اهتدى إلى هذا اللقب الذي كان له فيما بعد شأن وأي شأن في تاريخ الأدب العربي.

اتصل بالشيخ صالح العلي في جبال اللاذقية، وبيوسف العظمة وزير الدفاع في الحكومة الفيصلية. بعد دخول الفرنسيين إلى سورية...اعتقل في حماة ثم نقل إلى بيروت فاللاذقية قبل أن يطلق سراحه...استماله الفرنسيون بعد تقسيم سورية فعينوه نائباً في المجلس التمثيلي لما سمي (دولة العلويين)، لكنه غيَّرَ اتجاهه السياسي فيما بعد وانضم إلى الكتلة الوطنية وأصبح من معارضي الانفصال.

انتخب نائباً في المجلس النيابي عام ألف وتسعمئة وسبعة وثلاثين، وأعيد انتخابه عدة مرات...ضيق عليه الفرنسيون بسبب معارضته فلجأ إلى العراق عام ألف وتسعمئة وتسعة وثلاثين....عاد إلى دمشق ثم اللاذقية، فاعتقله الفرنسيون وأطلقوا سراحه بعد ثمانية أشهر.

تولى عدة وزارات منها الصحة عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين، والدعاية والأنباء...غادر سورية عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين متنقلاً بين لبنان وتركيا وتونس قبل أن يستقر في سويسرا.

عاد إلى سورية عام ألف وتسعمئة واثنين وستين، وأمضى سنواته الأخيرة في منزله بدمشق، بعد أن خرج من الحلبة السياسية، وقد قال مرة كما نقل عنه صديقه أكرم زعيتر الذي وضع مقدمة ديوانه: (لا بارك الله في الساعة التي جرّني فيها الضعف الإنساني إلى النيابات والوزارات)، وتوفي عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين ميلادي.

تمت قراءته 625 مرات