العدد:783
تاريخ: 20/ 9/ 2017
 

التعليم بين الريف والمدينة في سورية

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

 ما زالت وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية مستمرة بخطتها في تطوير المناهج التربوية، إلا أنه ما زال هناك فجوة كبيرة بين التعليم في المجتمعات المتحضرة ومجتمع الريف والقرية والبادية، فما هي أسباب هذه الفجوة؟! وكيف نعالجها؟!

بالدرجة الأولى علينا أن نلقي الضوء على تركيبة المجتمع السوري، فهو مجتمع اشتراكي يعتمد على حكم الشعب والجماعة والحزب، له رئيس يحكمه هو رئيس الجمهورية العربية السورية، ويضم هذا المجتمع عدة فئات مختلفة مقسمة وفق ما يراه علماء المجتمع والانثربولوجيا كالتالي:

1- المجتمع الرعوي: ويضم البدو الرحل، الذين يتميزون بالتنقل بحثاً عن الماء والعشب من أجل رعي مواشيهم، لهم معتقدات وقوانين وعادات وتقاليد محددة، يتبعون لشيخ أو رئيس القبيلة الذي له السلطة المطلقة، وكلمته مسموعة من قبل جميع أفراد القبيلة ويجب تنفيذها دون جدل.

2- المجتمع القروي الزراعي: ويتميز بالبساطة، يعمل الناس فيه بالرعي والزراعة، لا يوجد فيه مؤسسات كبيرة لأن عدد السكان فيه قليل جداً، يوجد مجلس للقرية يقوم بتقديم خدمات بسيطة للأهالي، وغالباً لا يوجد فيه مدارس، وإن وجد فهي مدارس ابتدائية فقط.

3- المجتمع الريفي الحضري: هو مجتمع زراعي يتميز ببعض الصناعات البسيطة التي لها علاقة مباشرة بالمنتجات الزراعية التي تنتجها الأرض، كما يوجد فيه بعض المهن كالحدادة وصناعة الفخار إلخ.. فيه مؤسسات ودوائر حكومية وجمعيات لتنظيم شؤون الأفراد اليومية، وفيه مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية، ولكن لا يوجد فيه تعليم عالٍ.

4- المجتمع الحضري: وهو مجتمع أكبر وأوسع من المجتمع السابق، يعتمد ببنيته الاقتصادية على التجارة وبعض الصناعات التي لا تعتمد على المنتجات الزراعية. يوجد فيه أنواع التعليم كافة والعديد من المدارس التي تضم التعليم الخاص والعام.

5- مجتمع المدن الكبرى: ويمثل في سورية العاصمة دمشق، هو مجتمع كبير وواسع فيه عدد كبير من السكان وفيه محاور الحركات والتطورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتجارية والسياسية بشكل كبير وواسع. يوجد فيه اهتمام كبير بالتعليم ويجري متابعة الحركة التعليمية وتطورها متابعة دائمة ومستمرة.

6- مجتمع الخدمات الخاصة: وهو مجتمع مؤقت ومغلق مثل مراكز الإيواء أو مناطق تجمع اللاجئين، وتنشأ مثل هذه التجمعات عند وقوع كوارث أو حدوث أزمات أو في أماكن التنقيب عن الثروات الباطنية أو بالقرب من منطقة صناعية، ويكون التعليم فيها ضعيفاً لأنه يعتمد على مبادرات شخصية فقط بهدف ملء الفراغ لدى الأطفال وليس بهدف تطوير إمكاناتهم ورفع مستوى تحصيلهم العلمي، بحيث لا يتمكنوا من متابعة تعليمهم العالي ليكون لهم دور مستقبلاً في بناء المجتمع.

والآن السؤال الذي يسأله العديد من فئات الشعب: ما هو واقع التعليم وواقع المدارس في الوطن سورية ضمن هذه المستويات والفروقات المجتمعية؟!

* إن مناهجنا التربوية التعليمة مبنية على مقياس واحد يُطبق في جميع المناطق السورية، أي أن ابن البادية الذي يرعى الأغنام يدرس بالمنهج ذاته الذي يدرس فيه ابن البيئة المتحضرة والمتقدمة بالمجالات كافة، وهذا الأمر أدى إلى حدوث خلل كبير في العملية التعليمة في بعض مناطق المجتمع الرعوي والمجتمع القروي الزراعي والسبب في ذلك هو:

* أن مناهجنا صُممت لتناسب حاجات مجتمع المدينة المتحضر، وبالتالي أغفلت بمحتواها وأسلوب تصميمها اهتمام طفل الريف وحاجاته.

* نقص المدارس في الريف خاصة في المناطق النائية أدى إلى اضطرار بعض الأطفال للذهاب إلى قرية أخرى لمتابعة تعليمهم، وهي تكون في الكثير من الأحيان بعيدة عن القرية التي يسكنون فيها، وبسبب الوضع الاقتصادي السيئ يضطر الأطفال في كثير من الأحيان للتغيب عن المدرسة لمساعدة أهاليهم بأعمال الزراعة خاصة في مواسم الزرع والحصاد، مما يؤدي إلى تأخرهم دراسياً وتسربهم من المدرسة.

* من الضروري أن ندرك، بصفتنا قادة تربويين، أن الطفل الذي يسكن في البادية والريف لديه نمط حياة مختلف عن طفل المدينة، فهو يرعى الغنم ويذهب إلى النبع لجلب الماء ويساعد والده في الزراعة، فهو معتاد على الحياة في الهواء الطلق، لذلك نحن لا نستطيع إجباره على العيش مدة ست ساعات متواصلة داخل حجرة لا يوجد فيها شيء سوى سبورة صغيرة وبضعة مقاعد، من الطبيعي أنه سيهرب من المدرسة وسيرفضها)، ما هو الحل إذاً؟! إن طفل الريف بحاجة إلى مدارس مختلفة بطريقة بنائها عن مدرسة المدينة، وتحتوي أدوات تعليمية أكثر تطوراً، فطفل الريف بحاجة إلى أن يتعلم الأسلوب الصحيح في المحافظة على البيئة واستثمارها بما يعود بالفائدة عليه وعلى قريته وعلى مجتمعه ككل، لذلك يقترح بعض القادة التربوين:

1- زيادة عدد المدارس في الريف كي لا يضطر الأطفال للذهاب إلى قرى أخرى بعيدة عن بيوتهم لمتابعة تعليمهم.

2- توسيع حجرة الصف وأن تكون على شكل حديقة كي يرتاح الطفل ولا يشعر بأنه مقيّد، لأنه معتاد على حياة الخلاء.

3- مراعاة وجود حظيرة كبيرة في المدرسة كي يتعلم الطفل الخطوات الصحيحة لتربية الماشية، وبذلك نعمل على رفع سوية الوعي لديه وإبعاده عن ممارسة بعض السلوكيات الخاطئة وغير المقبولة اجتماعياً تجاه الحيوانات، التي تظهر بكثرة في المناطق الريفية البعيدة والنائية.

4- وجود بساتين ليجري استثمارها وزراعتها من قبل الأطفال وبذلك يتعرفون بطريقة أكاديمية على أوقات الزرع والحصاد، ونوع التربة الصالحة للزراعة، أنواع البذور، والشروط الصحيحة لزراعة كلّ منها،وكيفية إعداد سماد طبيعي، وكيفية صنع مطمر صحّي، إلخ.

5- الاهتمام بوجود مختبر كبير يتعرف من خلاله على أنواع المبيدات الحشرية وطريقة تركيبها واستخدامها الصحيح، والتعرف من خلاله على الصناعات البسيطة المناسبة للمنتجات الزراعية.

6- تجهيز مكتبة وتفعيلها بأنشطة وألعاب لتحفيز الأطفال على المطالعة.

7- ملاعب ليمارسوا فيها نشاطهم الرياضي، تتناسب مع الألعاب التي يلعبها أطفال الريف.

8- تصميم مناهج تربوية _ تعليمية مختلفة عن المناهج المجهزة لطفل المدينة، تراعي البنود الواردة في وثيقة المعايير وتناسب البيئة الريفية.

9- إعداد معلمين من بيئة المتعلم نفسه، ومراعاة وضعه المادي، فلا يمكن لأي معلم مهما كانت كفاءته عالية أن يعطي تلاميذه وهو غير مرتاح، لأنه مجبر على التنقل بين القرى دون أن تتوفر له وسيلة مواصلات أو بدل مواصلات.

10- رفع سوية الوعي لدى الأهل، فهناك العديد من الأسر في بعض المناطق الريفية ترفض إرسال بناتها إلى المدرسة خوفاً عليهن، ويعمدن إلى تزويجهن في سن مبكرة بذريعة حمايتهن.

11- مراعاة وجود جماعات البدو في منطقة البادية، لذلك يجب تجهيز مدارس متنقلة وإعداد مناهج تناسب طفل البادية، وتوفير معلم ثابت لهذه المنطقة، كي يتمكن من متابعة الأطفال، وزيادة الوعي لديهم وبالتالي رفع مستوى تحصيلهم العلمي.

* لقد قام بعض المهتمين بتطوير العملية التعليمية في سورية بمبادرات خجولة لتطوير التعليم في البادية من خلال المدارس المتنقلة، ولكنها كانت غير كافية برفع مستوى الوعي لابن البادية وتثيقيفه.

إن طفل سورية مسؤوليتنا جميعاً، وقد آن الأوان لنغيّر من أسلوبنا ونبدأ بامتلاك أدوات تعليمية جديدة، فطفل سورية اليوم بحاجة إلى دعم معرفي وأكاديمي عالي، وبالتالي هو بحاجة إلى أن يتعلم الأسلوب الصحيح لتوظيف هذه المعارف والعلوم.

تمت قراءته 722 مرات