العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

لا تختبروا صبر المواطن..

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

(كلما تسألني كيفك بتذكر إني مش منيح..)، باتت كلمات زياد الرحباني هذه تمثل حالة الغالبية العظمى من الشعب السوري، الذي أصبح سؤاله عن أحواله كسؤاله عن عدد مصائبه وما يتحمله من معاناة ومشقة لمتابعة حياته كل يوم.

فحديث الصباح مع جارتي مثلاً يبدأ بالسلام وينتهي بمآسٍ وهموم، على عكس ما كان عليه من ودّ منذ عدة سنوات.. وجارتي هذه ما هي إلا نموذج مصغر عن المجتمع السوري وهمومه، إذ تختصر في معاناتها وأسرتها، من ظروف البلاد، معاناة أغلب المواطنين السوريين.

لكن حديثها منذ عدة أيام كان مخالفاً للعادة، فلم تحدثني عن ارتفاع الأسعار الهستيري لجميع السلع، وعن تكلفة طبختها التي تزداد يوماً بعد يوم، ولا عن زيادة ساعات التقنين الكهربائي التي يصعب في ظلها تحمل الظروف الجوية وحر الصيف، ولا عن الانقطاع المتكرر للمياه وعن اضطرارها لشراء مياه الشرب.

لم تخبرني عن عودة زوجها خائباً كل يوم بعد بحثه المضني عن عمل إضافي لزيادة إيراد العائلة وتحمّل نفقات المعيشة المتزايدة.

لم تعطني نشرة مفصلة كعادتها عن أسعار اللوازم المدرسية المضطرة لشرائها لأولادها بسبب قدوم العام الدراسي الجديد، نسيت يومذاك أن تقارن بحسرة بين أسعار السلع اليوم وأسعارها قبل عدة سنوات، لم تحدثني عن حزنها على ابن أختها العسكري الذي يقضي أياماً دون طعام مع المدنيين والعسكريين المحاصرين في دير الزور، ولم تخبرني عن أماكن سقوط قذائف الهاون وعن تعاطفها مع المصابين وحكاياتهم التي تتناقلها نسوة الحي، ولم تقدم لي بعفويتها المعتادة تحليلات استراتيجية وعسكرية قد لملمتها من هنا وهناك!

بل كان هناك خبر أساسي تصدر الحديث ذلك اليوم، فارتفاع أسعار الدواء بنسبة تزيد عن 50% لم يترك مجالاً في الظهور لأي خبر سواه.

نظرة اليأس كانت واضحة في عينيها وهي تحدثني عن صدمتها عندما ذهبت لشراء الدواء لأحد أولادها، وعن تفكيرها بما سيحل بأبيها وأمها، هذان العجوزان اللذان لا يمتلكان سوى راتب تقاعدي أصبح غير كاف لشراء أدوية لأحدهما، ماذا سيحل بوضع أسرتها عندما يهجم زكام الشتاء؟ وماذا ستفعل الأسر التي لديها حالات مرضية مزمنة؟، وأجزم بأن طيبتها قد ذكّرتها بكل مريض تعرفه في حياتها، فاحتل الحزن مكاناً ثابتاً في تعابير وجهها، وانتهى حديثنا بتساؤلها: هل يعقل أن نموت بعد كل صمودنا في هذه الظروف بسبب ارتفاع أسعار الدواء وعدم قدرتنا على شرائه؟!

لقد تحمّل المواطن السوري منذ بداية الأحداث حتى اليوم جميع الضغوط المفروضة عليه، فواجه الارتفاعات المتزايدة لجميع أسعار السلع والخدمات المتعلقة بأساسيات حياته.. فمن غلاء المواد الغذائية والمشتقات النفطية إلى ارتفاع أسعار الكهرباء والماء والاتصالات، وتحمّل برودة الشتاء وحر الصيف، والقبول بالبالة بدل الألبسة والأحذية الجديدة، واستمر بالعمل ومحاولة العيش بشكل شبه طبيعي رغم كل الظروف السيئة المحيطة به من تهجير وتدمير وقذائف وقنص وانفجارات، ولكنه واجه أخيراً ضربة قاسية بقرار رفع أسعار الدواء.

حكومتنا العتيدة!

في سنوات الحرب اتسعت الهوة بين طبقات المجتمع، وأصبح الفقر سائداً.. وكعادتها فإن الفئات الفقيرة هي التي تقدم التضحيات الكبرى في الحروب، فالفقراء في بلدنا يتحملون ما يتحملون من ضيق العيش وتعب الحياة، ورغم ذلك يشكلون العصب الأساسي في الدفاع عن البلاد وحمايتها من هذه الهجمة الشرسة، فهل يكافأ من صمد هذه السنين وقدم الغالي والرخيص بقرار كهذا، أو يخيّر الفقير بين غذائه ودوائه؟! هل هذه هي السياسة الأنجح في مواجهة المغريات الأوربية المحرضة للهجرة؟!

ألم يكن بوسعكم تقديم الدعم لأسعار الأدوية لتصل إلى المواطن بسعر مقبول يراعي قدرته المالية المتواضعة؟!

الوضع المعيشي للمواطن السوري يتردى يوماً بعد يوم، وللأسف فإنكم تستمرون بإصدار القرارات الجائرة ضاربين عرض الحائط بالوضع السيئ لجماهير شعبنا التي تعد السند الحقيقي لصمود بلادنا.

أليس ضرورياً التراجعُ عن سياساتكم في تقليل الدعم (تسمّونها عقلنة الدعم) للسلع الأساسية، وعن قرار رفع أسعار الأدوية، والتوجه إلى تقديم الدعم لأسعار السلع اليومية الأساسية للمواطن السوري وتقديم الطبابة المجانية والأدوية للأسر الفقيرة والأطفال والمسنين، وإيجاد فرص عمل للمواطنين برواتب وأجور تتناسب مع حاجاتهم وتخفف من عبء الأزمة عليهم؟!

لا تختبروا صبر المواطن.. فللصبر حدود!!

تمت قراءته 571 مرات