العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

مرارة الحديث عن المرّ!...إلى الصديق سعيد قطرية

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

قبل أن أنتظم في زياراتي الأخيرة له. كان غاضباً. فأي زمن هذا الذي لا يزور فيه الأصدقاء أصدقاءهم! وعدد بشار أسماءهم، وتلك أسماء كانت تفتح على الحكايات، ولكنها بالنسبة له تفتح على المعنى: فلماذا لا يزورونني؟! كما سألني.

(أيمن، مضر، بلال، فرج، وأنت! تغيبون شهراً أو شهرين أو حتى ثلاثة أشهر. وماذا بقي من الحياة إذاً؟!)

وسألني باندهاش:

- أتعرف ماذا فعلت الوحدة بي؟! وأجاب عني:

- جعلتني أجنّ!

وروى لي حكاية الوحدة مع المرض:

- في الليل يتحول الفراش إلى جحيم، أدور بين جدران البيت أبحث عن الصباح. وعندما يأتي الصباح تتوارد حرائق الأسئلة.. تشتعل حرائق العزلة. ولا معنى للفجر أبدا في هذه الحالة. الفجر بالنسبة لي مجنون يلقي بنفسه في لجّة النهار!

سألته:

- لماذا لا تكتب رواية؟!

لم يرد على سؤالي. بل طرح هو سؤاله:

أتذكر يوم كنا في مقتبل العمر، فنذهب إلى البحر لنرى الفجر؟! كان صديقنا رضا يحب الفجر لأنه شاعر، وكنت أنت تحب الفجر لأنك كاتب. أما نحن فكنا نريد أن ننام!

يطوي بشار حديثه. ثم ينهض كأن شيئاً قد أصابه بالمسّ. فأحسست أننا وحيدين في البيت..

بالفعل ذهبت زوجته لتشتري له الدواء، وذهب ابنه عبد القادر ليشتري أشياء للبيت. بقيت أنا وهو، وفنجانان من القهوة الأول ممتلئ والثاني فيه بقايا. تعالى صوته بصخب أجش كأنه يحكي عن وجع لا أعرفه. فقال مستسلماً:

- اتركني! اترك وحش الألم يأكلني!

قلت وأنا أحاول أن أخفف عنه:

- أريد أن أتعلم منك.. من آلامك سأصارع أنا هذا الوحش!

يضحك مكابراً، ويردد:

- الوجع لا يؤلم إلا صاحبه!

***

أربعون دقيقة مرت .. وقت يكفي للوداع. لوحتُ له بيدي. لم ينتبه أحد إلى ذلك. شقيقه سعيد شاهدني، فردد، وهو يبتسم ابتسامة مرة:

- أي وفاء بينكما!

واقترب مني وعانقني..

مضت جنازة بشار في شوارع دمشق. كان وسيماً، أنيقاً، معطّراً، لا يهاب هذه الرحلة الأخيرة إلى المقبرة. كان يحب الحياة رغم مرارة الوجع الذي حاصره مذ كان طفلاً. لذلك كان يبتسم حتى وهو في الجنازة.

والجنازة لا تعني الكثير للميت. هذه الحقيقة التي قالتها لي أمي التي توفيت قبل سنوات. قالتها لي عندما كنت صغيراً: (الميت يظن أنه يمشي مع المشيعين حتى يغلق القبر على جسده، فيهمّ بأن يغادر المقبرة معهم، يصطدم رأسه بالبلاطة، ليعرف أنه هو الميت، ويردد: إن الله حق!).

ربما كان نائماً. من يدري؟ قبل أن يلف بكفنه ودعناه وكان وجهه الدافئ يبتسم. وعندما مشت الجنازة ناديت:

- الله معك يا بشار!

وسمعت صوت المنادي ينادي:

- الفاااااااتحة!

في المقبرة. وكان جسده قد أصبح صغيراً داخل كفن أبيض. سمعت صوته. لم يسمع هذا الصوت غيري:

- أنت لا تعرف شيئاً عن الموت أبداً!

من يصدق؟!

فتح حفار القبور الكفن في آخر مراحل الدفن، فظهر وجهه. كان بشار متضايقاً. تلون وجهه بلون رمادي داكن. قال لي لآخر مرة، والتراب ينهار فوقه:

- أنا لا أحب هذا المطرح!

تمت قراءته 60 مرات