العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

حكايات أهل الشام (1)...لماذا خلق الله جبل قاسيون؟!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 في العطلة الصيفية، كانت حواكير الصبار في حي المهاجرين الدمشقي، هاجساً سنوياً لنا، نحن القاطنون في مناطق قريبة منه، ففي الصيف تتحول ثمار الصبار إلى فاكهة طيبة تباع مقشرة فوق أكشاك أو صناديق صغيرة غالباً ما كنا نقوم بإنشائها نحن التلاميذ في عطلتنا. ومن أجل ذلك كنا نذهب إلى آخر خط المهاجرين، بـ(الترين)، وعندما نصل إلى آخر الخط، ننزل من هناك إلى الحواكير التي كانت تمتد نزولاً باتجاه فج الربوة، ومن هذه الحواكير كنا نشتري سلة صبار كاملة تحتوي على أكثر من خمسين ثمرة بليرة واحدة، ثم نعود إلى الجسر الأبيض حيث كنا نسكن، فنعرضها للبيع بالمفرق بعد أن نغسلها ونزيل الشوك منها، ثم نرتبها على صناديق خشبية مغطاة بأوراق الزنزلخت، فتصبح أكواماً يصل سعر الكوم منها إلى عشرة قروش!

في واحدة من تلك العطل، التي شاركتُ فيها الأطفال بالذهاب إلى الحواكير لشراء الصبار، دفعني الفضول لأسأل البستاني صاحب الحاكورة أحد الأسئلة التي تثير اهتمامي حتى الآن، فقلت له، وهو يمضي في ملء السلة:

- لماذا خلق الله الشوك في الصبار، وخلق التفاح ناعماً؟!

كان البستاني يقف في زاوية يمكن له فيها أن يشاهد قبة (السيّار) التي تقع على تلة غربية في امتداد الجبل تطل على طريق الربوة، ويمكن له أن يشاهد الصخور الانكسارية الضخمة عند فج الربوة التاريخي، عندما ضحك وهز رأسه وهو يستعيد مفردات السؤال الغرائبية، ثم قال:

- انظر إلى جبل قاسيون. راقب صخوره جيداً. إنها قوية مثل الحديد، قاسية يصعب كسرها، أما هنا في بساتين المهاجرين التي تمتد إلى قلب الشام وتذهب إلى الغوطة، فإن ترابها طري طيب كريم مفتوح اليد.. هذه هي الشام، قوية في جانب وكريمة سخية وطرية في جانب آخر!

ترك البستاني سلّة الصبارة جانباً، وشعر أن سؤالي يفتح على بوابة من الأفكار والتداعيات يحتاج الحديث عنها إلى وقت طويل، ثم قال:

- قاسيون هو الوتد الذي يمسك الشام وغوطتها عن أن تهتز، ألم يقل سبحانه وتعالى (والجبال أوتاداً). لاحظ كيف تكدست صخور جبل قاسيون عند الربوة، وكأن أحداً ما جمعها لتكون مرصوصة متتالية.

وسألني البستاني:

- أتعرف لماذا خلقها الله على هذا النحو؟!

فأجبته بسرعة:

- لماذا؟!

رد علي سؤالي بجواب يحتاج إلى سؤال جديد:

- لكي نفسر القرآن!

لم أفهم معنى هذا الجواب، وشعرت أن عليّ أن آخذ سلة الصبار وأمشي، حتى قبل أن تمتلئ، لكنه أمسكني عن هذا الخاطر، وقدّم الإجابة بيسر:

- نحن لم نر الله بالعين، آمنّا به بالقلب والعقل. وفي القرآن يقول: (والأرض بعد ذلك دحاها)، وهذا الصخر المرصوف يذكّرني دائما بهذه الآية، فهذه الصخور تعلّمنا كيف تصبح الجبال أوتاداً لهذه الأرض التي دحاها الله بصخرها وترابها بجبالها وسهولها.

عاد البستاني إلى سلة الصبار، وأضاف إليها حبات فاضت عن استيعابها، وشعرت أنه أكرمني بعدد ثمار الصبار أكثر مما أستحق مقابل الليرة السورية التي سأدفعها ثمناً للسلة، أما أنا فانشغلت عن مشروعي التجاري الصغير، ورحت أتمعن بأشكال الصخور التي رصفت في جانب الجبل كأنها دفاتر في مكتبة الشام، ولم يكن لدي ما يناقض أو يوافق هذا البستاني إلا أن أطابق بين ما قاله وما أراه أمامي مدهوشاً.

نسيتُ سؤالي عن أشواك الصبار ونعومة التفاح، لم يعد فضولي محصوراً بما تفرضه علي أسئلة الثمار التي غصت بها السلة، لكني فجأة، توقفت عند صخرة مدببة تجاور الصخر المرصوف عند حافة الربوة. عند تلك الصخرة تهجّيت حروف عبارة لم أكن قرأتها من بعد. كانت العبارة مكتوبة على الجهة الشرقية من الصخرة، كتبتْها يدٌ ما ليقرأها كلُ الناس الذين يمرون تحتنا في الطريق الممتد من ساحة الأمويين إلى الربوة.

على تلك الصخرة عبارة تقول: (اذكريني دائماً)!

وكان عليّ أن أسأل البستاني عنها، فسألته ولم أتوقع أنني سأكون أمام حكاية جديدة من حكايات الشام وجبل قاسيون!

(يتبع)

تمت قراءته 97 مرات