العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

مواجهة مع الساحر!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

إلى الكاتب وائل السواح الذي كتب قصة «الساحر» قبل ثلاثين عاماً !

هكذا، فجأة..

قررتُ الذهاب إلى الساحر، لا أعرف إذا كان اندفاعي الفجائي هذا سببه حبي لخولة، أو الإحباط الذي أصابني عندما حدثتني عن الموت وعن مظاهر الخوف من الزمن الذي راح يهاجمها، بعد أن بلغت الأربعين من عمرها!

واجهتُه قبيل الغروب، لمحتُه في البداية في عمق المرآة التي تتصدر الغرفة، وكنتُ متعباً من نهار صعب وحار.

طرقت الباب لأدخل، فإذا بصوته يأتيني، وكأنه كان بانتظاري: تفضل.. تفضل..!

أخفيت عنه ملامح كثيرة يمكن أن تظهر على وجهي من قلق وإحباط، وافتعلت سعادة وهمية وإشراقة مصطنعة، فقال، وكأنه كشف زيف فعلتي: تبدو قلقا ومحبطاً، فما الذي جرى معك!

دُهشتُ، وقلتُ في داخلي بيقين غريب: (هو ساحر فعلاً!).

قهقه الساحر.. كان قد وقف قبالتي، وكنت قد وقفت قبالته، راقبت وجهه في مرآة الغرفة.. كان ينظر إليّ بإعجاب، ثم راح يتحدث عني بصوت أجش يشبه صوتي: (أنا أعرفك، فأنت لا تحتاج إلى ساحر. أنت الذي تسحرني عندما تجعلني أقرأ كل ما تكتبه باستغراق، بل تجعلني أسافر معك أحياناً في غيوم لا تنتهي، تماماً كالمسافر على مكنسة الجن)!

تغير وجهه فجأة. ضاعت منه ملامح الإعجاب، وراح يتمتم عبارات غير مفهومة، ثم هاجمني بقوة، وأصبح صوته الأجش أكثر تأثيرا بي: (أنت مهزوم. وعندما كنت تحاول بناء نصر وهمي مع خولة، رمتك على الأرض منذ الضحكة الأولى.. صارت هزيمتك مضاعفة. جعلتك خولة تقف أمام المرآة منكِّس الرأس، تهيل التراب على رأسك وأنت تبحث عن الزمن الضائع، وتشتكي وتستسلم للزمن الذي مر، وجعلك تتردد في أن تكون عاشقاً!)..

كنت أقف أمامه، وأنصت إليه، وأهز رأسي كتلميذ مطيع أنّبه أستاذه على كسله، وببساطة حولني الساحر إلى طفل مؤدب هادئ يريد أن يعرف ماذا حل بلعبه الضائعة.

٭٭٭

أخرج الساحر قبضة عيدان من البخور.. رماها فوق موقد تنبثق منه النيران بهدوء، ففاحت روائح بخور هندي ثقيل تشبه رائحة سكر محروق، تصاعدت سحابات دخان أبيض، وبدا المشهد أسطورياً انعكس في المرآة الكبيرة على نحو سينمائي!

قال الساحر، وكأنه يتابع قصة قديمة يستمد حروفها من الدخان: أما خولة، فاتركها لزمانها، هي ليست لك. لا تكن عبئا عليها، فمثلها ينبغي أن يعيش كما يريد..

قلت له: أنا أريدها أن تعيش في زمن غير زمنها!

فقال الساحر ساخراً: تريدها أن تعيش في زمنك، كل شيء يبدو واضحاً، انتهى الزمن الذي تستطيع فيه رسم هذا الزمن، عد إلى أوراقك، واكتب، عد إلى أوراقك ودع خولة لزمانها!

وخرجت حزيناً أفكر: حتى لو تركت خولة لزمانها فإنها ستبقى في خوفها الدائم..

٭٭٭

أمضى الساحر أياماً يجمع الورد، كان يفرط أوراق الورد بعناية، ويكتب عليها طلاسم غريبة، ثم يرتبها ورقة فوق ورقة، كأنها دفتر من دفاتر ساحر عاشق، إلى أن أرسل بطلبي فواجهته عند المرآة، وكالعادة وقفت أتلقى منه تأنيبه وأوامره، فإذا به يخرج أوراق الورد ويضعها أمامي على صفحة بيضاء كبيرة، ففاحت منها رائحة كرائحة خولة عندما تخرج من بيتها كوردة الصباح، وقال يأمرني: ضع أوراق الورد في طبق من القش حتى تجف ثم قدمها لها في عيد ميلادها القادم، وقل لها أجمل كلام يليق بعاشق يريد السعادة لمن يحب!

وضعتُ أوراق الورد في طبق من القش، رتبتها وكأني أريد أن تراها خولة فتعجب بترتيبها، فصنعتُ شكلاً جديداً في الطبق يتوسطه أول حرف من اسمها، فظهرتْ وكأنها لوحة مجسمة.

أخفيتُ الطبق عند زاوية النافذة المغلقة كي لا تطير أوراق الورد، وكنت أعود إليه بين يوم وآخر لأطمئن عليه، وأحياناً كنت أحاول أن أحصي تلك الأوراق فأعجز لكثرتها، وأخاف أن يتغير ترتيبها!

كان طبق القش يثير نفحات من عطر الورد كل صباح وكل مساء. ومع كل نسمة عطر كنت أرى خولة أمامي تتوهج بكل أناقتها، رقيقة باسمة الوجه، يا الله كم تبدو جميلة عندما يأتي طيفها، يا الله كم تسعد روحي بضحكتها!

جفت أوراق الورد في الطبق، وغاب الساحر طيلة الفترة التي مرّت، إلى أن دخلت غرفتي ذات ظهيرة، فوجدته يواجهني في عمق المرآة ويقول:

- اليوم عيد ميلاد خولة!

نعم، كان ذلك اليوم هو عيد ميلاد خولة، وخولة لم تدع أحداً إلى احتفالها الصغير الذي تقيمه عادة مع أسرتها في البيت، فأين سأجدها، وكيف سأعطيها طبق الورد؟ وارتفع صوتي:

- سيظنني الناس مجنوناً وأنا آتي إلى بيتها بطبق من أوراق الورد الجافة!

جاء صوت الساحر مطمئناً:

- سيظن الناس أن عاشقاً يريد إنهاء حكاية من ورد!

شعرتُ أن كلام الساحر شفاف على غير العادة، فضحكت، وأنا أذهب في تفكيري إلى سؤال من نوع آخر: (ماذا سترتدي خولة في عيد ميلادها؟!).

٭٭٭

خرجت خولة عند المساء.

كانت قد شبكت شعرها الأسود الناعم كجديلة واحدة خلف ظهرها، فبدت كتلميذة مدرسة مهذبة علمتها أمها أن تلميذات المدارس لا ينثرن شعرهن على الأكتاف.

ارتدت بنطال جينز أزرق، وتي شيرت سماوياً رُبطت عقدة تشبه وردة حمراء عند كُمّه الأيسر. وفي يدها حملت خولة حقيبة كحلية صغيرة كانت تحبها لأنها تُذكرها بحقيبتها التي كانت تحملها مع الفتيات الصغيرات في العيد..

اليوم عيد ميلاد خولة، خرجتْ خولة من البيت بلا مبالاة، مشتْ مسافة طويلة في الشوارع وهي شاردة، انتابها شعور أنها عند نقطة الصفر. لم تكن تفكر في تفاصيل المناسبة المسائية التي ستأتي بعد ساعتين، حتى إنها لم تتزين لعيد ميلادها كما تفعل الفتيات: (لا أريد أن أثير صخباً في الحفلة الصغيرة، لقد كبرتُ..) كما قالت لأمها، وهي تبلع ريقها، وتبلع العبارة التي لا تحبها: (لقد كبرتُ!)، وأغمضت عينيها دون أن تحسب حساباً لما يحصل في الشارع!

مشت عدة أمتار، كانت تسمع أصوات أطفال يلعبون، وفتيات يرقصن في صخب، وكانت تود أن تبقى مغمضة العينين على زمن جميل تحبه ويراودها بين حين وآخر.. وفجأة تراءى إليها اليأس رجلاً كهلاً متعباً، يسعى ليمشي كبقية المارة، وكان يحمل بيديه طبقاً من القش.

خافت، فتحت عينيها سريعاً في وهج الشارع وأضوائه.. رأته هو.. كان يحمل طبقاً من قش، وقد أدهشته المصادفة فوقف كأبله، ابتسمت وسلمتْ عليه: ماذا تفعل في حارتنا؟!

تهدج صوته، وخفق قلبه، كعاشق بدأ تجربته الأولى، ويريد أن يختمها في عرض الطريق.. أراد أن يحكي لها شيئاً مهماً فكر به وهو قادم مع طبق القش، لم يستطع.. ظهر الساحر من خلفها، وصاح به: هيا أعطها الطبق.. أعطها الطبق.. أعطها الطبق..!

ولم يعطها الطبق، أراد أن يتمرد حتى على الساحر.. انتابته مشاعر عظيمة لم يشعر بها من قبل.. نظر إليها، فرآها أصغر بكثير مما هي عليه.. جديلة شعرها.. التيشيرت، الجينز.. الكحل الذي يجعل عينيها ساحرتين.. وكان قلبه يخفق سريعاً والساحر يراقبه!

رفع طبق القش، وراح يملأ يده بأوراق الورد وينثرها على رأسها.. تجمع المارة يتفرجون، وكان ثمة فتيات صغيرات يضحكن بسعادة. أما خولة، فكانت تضحك وهي تردد: ماذا تفعل؟ ماذا تفعل؟

عندما انتهت أوراق الورد من الطبق.. لوح لها بيده مودعا ومشى.. ورأته رجلاً لا يشبه اليأس.. رغم أنها أحسته هكذا أكثر من مرة.. كان يمشي بثقة وفرح، أمسكت مجموعة من أوراق الورد عالقة على ثيابها وشمّتها بعمق.

وتحت عمود الكهرباء توهجت حروف جميلة مكتوبة على الأوراق، فسارعت خولة تقرؤها بنهم.. وسريعاً شعرت أن وزنها صار خفيفاً. وأن أحاسيسها صارت أحلى، وأن شفتيها أضحتا رطبتين. فكت جديلة شعرها. نثره هواء خفيف فطار كلوحة لعاشقة تركض. فاح عطر أخاذ من حولها انتبه إليه المارة، وأحست الوقت قد حان لتركض وتركض وتصنع حلماً من ورد وكلمات..

تمت قراءته 116 مرات