العدد:786
تاريخ:11/ 10/ 2017
 

عكازة المخرج السوري غسان جبري!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 من يعرف المخرج السوري غسان جبري يمكن له أن يتصور ولع هذا الشخص بالفن والتاريخ والدراما، ورغم أنه لا يحبذ أن يُطلق عليه لقب مخرج دراما تاريخية، فقد اشتغل على هذا النوع من الأعمال باستغراق كامل، فأحبه جمهوره وترك أثراً في صفحات تاريخ صناعة الدراما التلفزيونية السورية.

وعندما تعرف المخرج غسان جبري عن قرب ومن الداخل، أي ببوحه وطريقة عيشه وخصوصياته، تكتشف أنه استثناء في الوسط الدرامي، أهم ملمح في استثنائه هو الطموح والثقة بالغد!

ومن خصوصياته أنه يعيش في حي المزة الدمشقي، في بيت هادئ ساحر في أناقته تشرف عليه زوجته الفنانة التشكيلية المعروفة أسماء فيومي، فإذا بلوحاتها تزين الجدران، وإذا بلمساتها في هندسة الديكور تأخذك لتحكي عن الفن حتى لو كنت تعتبره ترفا لا يخصّك، فما حولك يناديك بأناقته وتشكيله وحكايات ألوانه!

تزور غسان جبري وزوجته أسماء فيومي في البيت، فلا تحس أنك ضيف ينبغي أن يجلس بشكل رسمي، تجد الاستقبال الصادق الكريم والترحيب العفوي، وسريعاً تكتشف أنك لا تريد أن تغادر البيت إلا بعد أن تشبع من هذا الصدق الاجتماعي والفني والفكري أيضاً!

زرته عدة مرات، ولم ينقطع التواصل إلا في الشهور الأخيرة، إلا أنني شاهدته قبل أيام، رجلاً أنيقاً زاد عمره فجأة، نحيلاً، يمسك عكازة بيده، ويغطي رأسه بقبعة تشبه قبعة لينين الشهيرة، يمشي بتعب واضح وقد غاب الفضول الذي يميزه في اكتشاف ما حوله!

أنا لم أشاهده إلا قوياً حيوياً مشرق الوجه، فاقتربت منه، وعانقته، وسألته عن وضعه الصحي، وقلت له:

- أرجوك لا تحمل عكازاً.. أنت أقوى منها!..

وسايرني بعبارات سريعة:

- لا.. لا.. هذه مسألة مؤقتة.. أتعبتني عملية القلب..

ولأول مرة أحسست أنه يشيح بوجهه عني، وكأنه يريد أن يمشي.

تذكرت مسلسله العظيم: (انتقام الزبّاء)، الذي سجّلته في ذاكرتي كأول مسلسل تابعته بوعي لمحتواه الدرامي.. تذكرت صرخة ملكة تدمر التي عرّفنا عليها غسان باسم الزبّاء، وتذكرت كيف كان الرومان يريدون قهر تدمر..

الحرب في سورية تضيق اليوم لتتركز في محيط تدمر، وتتجه نحو البادية والتنف والرقة ودير الزور، وكأن الحسم الحقيقي لهوية الوطن الذي نعيش فيه هو هناك، وكأن هناك هو مفتاح التاريخ.. نعم هناك عند تدمر..

والفارق بين أن تتابع مسلسلاً على التلفزيون، وأن تتعلم منه.. فارق كبير.. ونحن تعلمنا من مسلسل (انتقام الزباء) أن القوة حاجة في حياة الشعوب وفي اللحظات الحاسمة، وأن الخيانة قادرة على تفتيت القوة، وعلى الأقل تعرفنا على حكاية المثل التاريخي الذي أطلقته ملكة تدمر: (لأمرٍ ما.. جدعَ قصيرٌ أنفَه!)..

ولأن غسان جبري يعرف أن العكازة هي الضعف، أشاح بوجهه عني، وهو الذي أراد أن نتعلم درس القوة من تدمر، وكأنه كان يسمع صيحة تأتينا من هناك تقول:

أيها السوريون.. كونوا موحّدين أقوياء كي لا تغرقوا في الصحراء!

 

ملاحظة: نشرت أيضاً في موقع بوابة الشرق أوسط الجديدة.

 

تمت قراءته 199 مرات