العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

الأزمة في المناهج الدراسية.. والتغيير المطلوب

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

الأزمة في المناهج الدراسية.. والتغيير المطلوب..نحو رؤية جديدة لأهداف السياسة التربوية في سورية

تتابع (النور) ملف المناهج الدراسية، وتنشر في هذا العدد رأياً مهماً حول فلسفة التربيةوالسياسة التربوية وأهدافها، يحدد جوهر الخلل في إعداد المناهج الجديدة وعمليات تطويرها، داعياً إلى (تشكيل لجنة متنوعة من أكاديميين وتربويين ومفكرين ومثقفين من جميع التيارات الفكرية، للعمل على بلورة هوية وطنية تسهم في نقل أجيال سورية من الولاءات والانتماءات الضيقة، إلى فضاء الوطن الواسع).

 لقد واجه مشروع تطوير التعليم ووضع المعايير الوطنية والأهداف التربوية للتعليم العام ما قبل الجامعي عقبة كأداء تمثّلت في أن النظريات التربوية المحدِّدة لآليات وضع المناهج لم ترتكز إلى فهم معمّق للعلاقة الجدلية بين الواقع وما يجب أن يكون علميّاً ومعرفيّاً وتربويّا، لذلك كانت ممتنعة التحقيق إجرائيّاً في المواقف التدريسية، كما أنها افتقرت إلى مقاييس دقيقة لتقييم مدى نجاعتها وتحققها.

ولم يكتب النجاح ميدانيّاًلمراحل السير في عملية التطوير؛ لأن (تحديث وتطوير المحتوى التعليمي) بمفرده، وتقديمه للمعلمين والمتعلمين استناداً فقط إلى تنظيرات تربوية تُهمل عموماً الأبعاد المعرفيّة، لم يخدم ولم يؤسس لفلسفة جديدة للمناهج التي كان من المفترض أن تلبي طموح المتعلمين كأفراد، وطموحات المجتمع السوري،وتواجه إضافة إلى ذلك التحديات الداخلية والخارجية. دعْ أنَّ إهمال تحديد القواعد الناظمة التي تضبط العلاقة بين المعايير والأهداف لم يساعد في تحقيق الأهداف التعليمية المرجوة والحكم على نتاجات عملية التعلم ومخرجاتها وتقييم مدى تحققها.وعليه، بقيت محاولات التطوير التربوي في سورية مجرّدإمكانية تفتقر إلى البنية النظرية العميقة، وتفتقر إلى ممارسات إجرائية واضحة ومحددة. ولذلك لم تتحقق هذه الإمكانية فعليّاً أو واقعيّاً وميدانيّاً، لأسباب وصعوبات موضوعية وذاتية،كما أنّه لم تُبذَل جهود كافيةلمعالجتها بشفافية، وإنما كان يجري تجاهلها أو التغاضي عنها أو التقليل من شأنها، وبقيت هذه الأهداف مجرد (رغبات تربوية) تتسم بالعمومية والضبابية والغموض والحشو والتكرار وأحياناً التناقض.

لقد فشلت محاولة وضع رؤيا معرفية - تربوية تضمن عمل عناصر المنهج بحيث تتطور متكاملةً فيما بينها، إضافة إلى تراجع مكانة المعلم وبيئة التعلم ماديّاًومعنويّاَ وتقوُّض هيكلية البنية الإدارية الأساسية للنظام التربوي، وانخفاض المستوى العلمي والتربوي للأطر الإدارية والتدريسية التي تعاني من مشكلات متعددة. وهذا ما أعاق إمكانية كونها عنصراً فاعلاً في عملية التطوير.

لا يمكن الحديث عن نهضة وطنية حقيقية دون تبني فلسفة تربوية واضحة،يكون التركيز فيها على محتوى التعليم كهدف استراتيجي بعيد المدى (علمياً -وطنياً-أخلاقياً)، وهنا تأتي مشروعية وضرورة التطوير المستمر للمناهج الدراسية بما يخدم هدف تحقيق مشروع نهضوي يليق بسورية وإسهاماتها الحضارية.

ولكي يتحقق ربط التعليم بالتنمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة لا بدّ أولاً من صياغات جديدة للأهداف التربوية في إطار سياسة تربوية ممنهجة وإجرائية وخطط زمنية يمكن الحكم استناداً إلى منظوراتها على مدى تحقق تلك الأهداف.

وعليه،يجب أن تكون الأولوية في أية عملية تطوير تربوي وضع فلسفة جديدة للتربية تضع استراتيجيات عامة للسياسة التربوية تضمن مخرجات ونواتج تعلّم محددة يجري العمل على تطبيقها ضمن خطط زمنية محددة تحكمها الأولويات والمصالح الوطنية العليا.

إن أية سياسة تربوية للدولة لا بدّ أن تنطلق من الاعتراف بالواقع السوري وتشخيصه بجرأة وشفافيّة، والانطلاق منه في رسم السياسة التربوية ووضع الخطط العلميّة التي تنهض بهذا الواقع، من خلال فهم مُعمّق للبنيات التي تؤلف المجتمع السوري في مختلف تجلّياته، وبما يفيد في مواجهة الأزمة الحالية ومعالجتها المعالجة الوطنية الصحيحة.

وعليه،يجب أن تضع السياسة التربوية للدولة في منظورها أن معالجة مشكلات الإنسان السوري يجب أن تنطلق من وعي تاريخي عميق بأسباب هذه المشكلات التي تضرب بجذورها إلى أبعد مما تبدو عليه.

وعلى هذا الأساس واستشرافاً لتربية مستقبليةيجب أن نبحث في مدى نجاعة فروع التعليم العام ما قبل الجامعي (التعليم العام والشرعي والمهني) ودورها في إنقاذ المواطن السوري وبناء شخصيته علميّاً ومعرفيّاً وأخلاقيّاً ووطنيّاً، والسير والارتقاء به نحو مستقبل مضمون يرتبط بمتطلبات التنمية وسوق العمل وحاجاتهما.

وانطلاقاً من ذلك يجب التركيز على أمرين مهمين هما:

 الأمر الأول: تضمين الفروع المختلفة لمناهج التعليم العام ما قبل الجامعي مفاهيم معرفية تسهم في آن واحد في إعداد الإنسان السوري إعداداً روحيّاً وعمليّاً وعلميّاً لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

والأمر الثاني: فهم التنوع الإثني والديني والإيديولوجي في المجتمع السوري، الذي أفرز بمصادره المختلفة واقعاً مأزوماً ومنتجاً بشريّاً متعدد الانتماءات والولاءات، ومختلفاً أنثروبولوجيّاً ودينيّاً ومصنّفاً طبقيّاً ومتفاوتاً اقتصاديّاً.

وبناءً عليه، يجب أن تُبنى فلسفة الأهداف العامة للسياسة التربوية في سورية انطلاقاً من الواقع الذي كشفته الأزمة التي هي في حقيقتها أزمة بنيوية أسهمت في تفاقمها عناصر خارجية.

ويجب التأكيد على أهمية تشكيل لجنة متنوعة من أكاديميين وتربويين ومفكرين ومثقفين من جميع التيارات للعمل على بلورة هوية وطنية تسهم في نقل أجيال سورية من الولاءات والانتماءات الضيقة إلى هوية وطنية جامعة، ولذلك يجب تأليف كتب تُخصص للتربية القانونية والتربية المدنية والتربية الأخلاقية ، ليصار إلى إدخالها في الخطة الدرسية لمناهج التعليم العام ما قبل الجامعي

كما أنه لا يمكن تدريس القيم المنشود زرعها في المتعلمين على المستويين الوطني والديني بصفتها فقط مجرد عناوين ونظريات، بل يجب إعادة النظر جدياً في الاستراتيجيات المتبعة في محاولة إكساب المتعلمين القيم والاتجاهات الإيجابية في مناهج المواد الدراسية، وبشكل خاص المواد ذات الطابع القيمي المباشر كالتربية الدينية والتربية الوطنية.

وانطلاقاً من ذلك ينبغي أن تعتمد الدولة منظومة تربوية وطنية خاصة بالقيم الروحية والأخلاقية تتجاوز فيها خصوصيات المضامين الفقهية واللاهوتية الجزئية ولكنّها تستفيد من النزعة الإنسانية في الأديان كافة، بحيث يكون الخطاب روحيّاً تربويّاً إنسانيّاً لجميع الطلبة، إذ إن طريقة عرض المفاهيم والمنهجية المتبعة في تأليف مادتي التربية الدينية المسيحية والإسلامية وبسبب من الاختلاف العَقَدي بين هاتين الديانتين، هي جزء من المشكلة، والتمسك بطريقة عرض هاتين المادتين ومضمونيهما الحاليين بطريقة منفصلة يعني أن الدولة تتمسك بوجهتي نظر مختلفتين، وأنَّه ليس للدولة وجهة نظرها الخاصة فيما يتعلّق بتربية المواطن السوري روحيّاً.

وعلى هذا الأساس يجب أن تضطلع الدولة وحدها من خلال مناهجها التربوية بمسؤولية تربية الإنسان روحيّاً، لا من منطلق هذا الدين أو ذاك، وإنّما من خلال تقديم موقف الدولة من الدين في المناهج - وهو موقف متفهم -والمطلوب هو تكوين وعي المتعلمين في أفق منظور الدولة لفلسفة الدين، وليس تقديم مواقف دينية من هذا الدين أو ذاك يمكن أن تتعارض مع مصالح الدولة العليا وسياستها، فالمشكلة أن ما تتبنّاه الدولة الآن في ما يتعلق بمناهج الديانتين المسيحية والإسلامية هو في حقيقته تأويلات لهاتين الديانتين لا يعبّر عن حقيقة هاتين الديانتين وتنوّعهما.

ويجب إعادة  النظر في إشكالية العلاقة بين البعدين الوطني والقومي في موقف الدولة من الإعداد السياسي التربوي في مناهج التعليم العام ما قبل الجامعي، ولذلك يجب على الدولة أن تحدد مساق خطابها السياسي والتربوي، بمعنى أنّه يجب أن تُعطى الأولوية لتكوين وعي وطني لدى الطلبة السوريين بـ (وطنهم سورية)دون إهمال توعيتهم بالمشاكل الإثنية والقطرية والقومية وطرائق علاجها، إضافة إلى حلّ مشكلات الاختلاف الأنثروبولوجي بين مكونات المجتمع السوري وأطيافه.

ويجب كذلك إدخال مادة التربية الجنسية ومفاهيمها في المناهج الدراسية وفق ما يناسب حاجات ومتطلبات النمو حسب المرحلة العمرية للطلبة.

يتطلب ذلك تأسيس السياسة التربوية وأهدافها العامّة على النقاط الآتية:

1) إعطاء الفلسفة والعلوم الإنسانية الدور الحقيقي في محاولة تقديم إجابات عن الأسئلة الكبرى وطبيعة الذات الإنسانية والحياة  الاجتماعية بما يسهم في صياغة وعي الأفراد في إطار إنساني يتجاوز النزعات الضيقة ويؤسس لهوية وطنية جامعة.

2) تفعيل دور العلوم الإنسانية في الفرع العلمي من أجل الانعطاف بالطلبة من مجرد تلقي العلوم المادية البحتة إلى الانفتاح على الوجود الإنساني والتأسيس لمستويات من الوعي تتجاوز الفهم العلمي الضيّق والمؤطّر للروح الإنساني.

3) إدخال المفاهيم العلمية في الفرع الأدبي للحدّ من تأثيرات البعد المثالي والنظري في وعي الطلبة ومن أجل ربطهم بالواقع ضمن اتجاهات تؤسس لفهم علمي موضوعي لهذا الواقع.

وتحقيق ذلك يتطلّب إحداث تغيير تربوي حقيقي من خلال الاستعانة بعلوم واختصاصات متعددة وتركيب مناهجها ونتائجها في نظرية واحدة، وهذه العلوم هي:

- علم الأنثروبولوجيا: لدراسة التغييرات الواقعة على المتعلمين بسبب الاتصال بالثقافات الأخرى وما ينجم عنه من تكوين لوعي المتعلمين مناقض لتكوين الوعي الناجم عن العملية التربوية التي تقوم بها الدولة وفي هذا خطر كبير يجب الانتباه إليه.

- علم الاجتماع وفروعه: من أجل تحديد البنيات الاجتماعية المكونة للتركيب الوطني العام، وتبيان خصوصياتها والفوارق بينها وتحديد احتياجاتها وأولوياتها التنموية، ومراعاة ذلك في الخطاب التربوي ،إضافة إلى ضرورة تفعيل دور الثانويات الزراعية في المناطق الريفية.

- علم النفس الاجتماعي: من أجل تحديد الأوقات والظروف المناسبة (وهي حاليا مناسبة) لعملية تغيير واقعية كبرى في التربية.

- علم وسائل الاتصال: من أجل تحديد كيفية تكون الرأي العام وصناعته، وتوجيه السياسة التربوية للدولة لتصبح المناهج التربوية أداة فعّالة في تكوين الرأي العام.

- علم دراسات السوق: من أجل تكوين وعي حقيقي لدى المتعلمين بما ينشر في السوق من منتجات جديدة.

- البحث الطبي: لا بدّ من تبني ممارسات جديدة فاعلة في مجال الصحة العامة والوقائية.

ويجب في سياق عملية التطوير التربوي وقبل الشروع في هذه المحاولة تقصي وجهات النظر المعارضةوتحديد الجهات التي يمكن أن ترفض أو تقاوم هذا التطوير، وأخطرها:

- أن تفرز المنظومة التعليمية من داخلها معوقات تطورها، وذلك بأن ينشر عدد من القائمين عليها أو العاملين فيها اعتقاداً مفاده أن المتعلمين يجب ألا يكونوا موضوعاً »للتجارب«، ولذلك تصرّهذه الفئة على أن تكون المناهج ثابتة ومستقرة.

- الإيهام بعدم كفاءة المثقفين من خارج المؤسسات التربوية الرسمية، وأنهم لا يعرفون شيئاً عن عملية التعليم والتعلُّم، وما ينجم عن ذلك من رفض لمجمل النقد والآراء والمقترحات التي تأتي من خارج تلك المؤسسات، وهذا يجعل القرارات المصيرية المتعلقة بالعملية التربوية محصورة بموظفي تلك المؤسسات (على تفاوت خبراتهم وثقافتهم).

- سوف يعارض المعلمون والمدرسون أية عملية تطوير ما لم يكونوا عناصر فاعلة فيها، ولذلك يجب وضع معايير دقيقة تركز على رفع مستوى الكفاءات والكفايات لإشراكهم على مستوى واسع في عملية التطوير.

- الخشية من ردود فعل اجتماعية من عمليّة تغيير حقيقي للتربية، ولكن تبلور سياسة تربوية واضحة للدولة تركز على المصالح الوطنية من شأنه أن يحدّ من التوجهات والمصالح الفردية الضيقة.

  وأخيراً يجب الانتباه إلى أنَّ النظريات التربوية التي تطبق الآن على الميدان التربوي هي نظريات احتمالية لا يوجد فيها يقين علمي، وبالتالي يجب ألا يقف التطوير عند حدّ المناهج التربوية، بل يجب أن يشمل جوهر فلسفة التربية المؤسّس لأية محاولة تطوير.

تمت قراءته 298 مرات