العدد:777
تاريخ: 26/ تموز/ 2017
 

الكتاب بين الرقمي والورقي

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

فرض التطور التكنولوجي على الكتاب الورقي خصماً جديداً لا يستهان به، وهو الكتاب الإلكتروني أو الرقمي، وتبعاً لإيجابيات كل منهما وسلبياته، اندلع  خلاف بين أنصار النوعين، وأخذ كل منهما على عاتقه الدفاع عن الشكل المفضل لديه، فمنذ سنوات وإلى الآن لم ينته النزاع الذي يصب جوهره في الخوف من هيمنة الكتاب الإلكتروني على الورقي وإزاحته جانباً،  فهناك عدة عوامل  جعلت الكتاب الإلكتروني مرحّباً به، رغم كل الانتقادات التي وجهت إليه، ليس في بلانا العربية وحسب بل عالمياً.

كثيراً ما نسمع أن الكتب غالية جداً، ومبالغ فيها في أغلب الأحيان،  مما يجعل اقتناء أكثر من كتاب في فترات زمنية متقاربة، أمراً عسيراً على كثيرين، وخصوصاً في ظل أزمة الغلاء، وارتفاع الأسعار التي تعصف بالبلاد، واجتاحت كل المستلزمات، مما سبب زيادة في تكاليف إنتاج الكتاب الورقي،  فشراؤه أصبح بذخاً عند البعض، وبات امتلاك مكتبة منزلية ثروة مادية، إضافة إلى كونها ثروة ثقافية وفكرية وعلمية، فسعر  كتاب جيب أو رواية عادية لا يقل عن ١٥٠٠ ليرة في حين وصلت أسعار الكتب العلمية والفكرية القيمة إلى أكثر من ذلك بكثير، ورغم ذلك مازال الكتاب الورقي يحقق نسبة مبيع جيدة.

ولكن محبي القراءة الذين لا يستطيعون تحمل نفقات الكتاب الورقي، وجدوا في الكتاب الإلكتروني البديل الأفضل، وعلى وجه التحديد الكتب المجانية، التي باتت متوفرة بشكل كبير جداً، ومنتشرة على المواقع الإلكترونية.

فهناك  آلاف الكتب التي يمكن تحميلها بسهولة، ويمكن تخزينها ببساطة، فأصبحت الوسيلة الوحيدة للقراءة عند البعض، ومنهم من بات عاشق للكتاب الإلكتروني واقتنى لنفسه جهاز حديث مخصص لقراءة الكتب الإلكترونية، وحفظها، سواء كانت بنسختها المقروءة أو المسموعة.

ولكن سؤالاً يطرح: ما الذي قد يجعل كاتباً أو دار نشر يطرح الكتاب بالمجان؟ لا يوجد أحد يمكن أن يفعل ذلك، إنما تقوم دور النشر بالاتفاق مع الكاتب، بنشر فصل من الكتاب بشكل مجاني، للتعريف عنه، وجذب القراء لاقتنائه، بشكليه الورقي والإلكتروني المأجور، أو أن يقوم الكاتب بحذف أجزاء من الكتاب بالنسخة الإلكترونية قبل نشره، وطبعاً لجعل القراء يعودون لشراء النسخة الورقية للاطلاع عليه بشكل كامل.

إن الكتب الإلكترونية المجانية، ليست سوى كتب تمت قرصنتها، وسرقت حقوق نشرها، وانتهكت الأمانة الفكرية من خلالها، أو تم شراء النسخة الورقية منها   لتحويلها إلى إلكترونية ونشرها، بلا مقابل مادي، فالمواقع في سبيل حصولها على إعلانات تؤمن لها مورداً مالياً، تقوم باستغلال التطور التكنولوجي واستخدامه للوصول إلى غايتها الوضيعة، عبر الاستيلاء على جهود الآخرين.

ولأن الإنترنت فضاء مفتوح وواسع، أصبح  تتبع أصحاب هذة المواقع والقراصنة المختبئين خلف شاشاتهم،  ومحاسبتهم على سرقتهم النتاج الفكري للأديب والكاتب، ولحقوق دار النشر، أمراً شديد الصعوبة فلا ضوابط ولا سبيل للحد من مثل  هذه التجاوزات، وهذا الموضوع يحدث على نطاق عالمي. فهناك عدة  كُتّاب عالميين وعرب، تطرقوا إلى هذه النقطة، وأوضحوا وجهة نظرهم، وأكدوا كم أنّ الكتب الإلكترونية المجانية، قد تضر بالمؤلف الذي بذل جهداً  كبيراً، ووقتاً طويلاً لتأليف الكتاب، وبشكل خاص على الكُتّاب الذين بالنسبة إليهم الكتابة هي مصدر رزقهم وعيشهم، فمن سلبهم تعبهم ونشره بالمجان، لا يوجد فرق بينه وبين أيّ لص آخر.

وحسب إعتقادي عندما نقوم بتدوال هذه الكتب الإلكترونية المجانية نشجع مثل تلك المواقع أن تستمر بعملها غير المشروع.

فأنا لا أدعو إلى تجنب هذه الكتب، فقد بات من العسير جداً تجاهلها، إنما أن نحاول قدر الإمكان عدم اللجوء إليها، إلا عندما لا نستطيع الحصول على النسخة الورقية لارتفاع سعرها أو لعدم توفرها في المكتبات، ورغم ذلك هناك دائما حلول ووسائل يمكن استخدامها، ونستفيد من تجارب غيرنا من الدول مثل الإمارات  يوجد فيها معرض يقام للكتاب المستعمل يباع فيه بثمن زهيد، حيث يتمكن الناس من خلاله اقتناء الكتب التي يريدونها بأسعار مقبولة، أو دعونا نستغل مواقع التواصل الإجتماعي، التي يتم استخدامها للترويج لبضائع مختلفة وبيعها، إلا الكتب. فلماذا لا يكون هناك مجموعة مخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي لبيع الكتب المستعملة؟  أليس علينا أن نحاول تعزيز ثقافة إعارة الكتب بين الناس، أو في المكتبات، ودور النشر، مقابل مبلغ مالي بسيط؟

إنّ للكتاب قيمة كبيرة لا يصح التفريط فيها أو عدم الإهتمام بها، والسماح للتطور التكنولوجي والكتب الإلكترونية،  بأن تسلبنا متعة الإحساس بملمس الورق الناعم وتنشق رائحته.

فاليابان ورغم أنها في أوج تقدمها المعرفي والتقني والتكنولوجي، ما تزال متربعة على عرش الدول الأكثر طباعة للكتب في العالم، ولم تسمح للكتب الإلكترونية أن تفرض نفسها كبديل حتمي عن الورقي، فكما أنّ التلفزيون لم يستطع أن يلغي دور السينما، والصحف الإلكترونية لم تنحِّ الصحف الورقية، فحتماً لن يتمكن الكتاب الإلكتروني أن يحتل مكانة الكتاب الورقي، إنما ستكون علاقة كل منهما بالآخر علاقة تكاملية همها نشر العلم والمعرفة.

تمت قراءته 216 مرات