العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

طفلة الميدان المُفَخَخَة... جريمة العصر والزمان

قييم هذا الموضوع
(19 أصوات)

ورد في ديباجة اتفاقية حقوق الطفل الفقرة التالية:

(إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية تضع في اعتبارها أن الطفل، بسبب عدم نضجه البدني والعقلي، يحتاج إلى إجراءات وقاية ورعاية خاصة، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة، قبل الولادة وبعدها).

وهذا ما يؤكّد الأهمية الكبرى والمكانة السامية للطفولة في العالم أجمع، والذي اعتبر مصلحة الطفل هي الفُضلى أولاً وآخراً في كل الأعراف والمواثيق والقوانين المحلية والدولية.

غير أن ما جرى نهاية الأسبوع المُنصرم في دمشق، يندى له جبين البشرية والتاريخ، وتتهاوى أمامه كل الشرائع السماوية والأرضية ومعها الأعراف والمواثيق والاتفاقيات الدولية، باعتباره وحشية غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية التي رفعت من شأن الطفولة وضرورة رعايتها وحمايتها في السلم والحرب، لما تتسم به من البراءة والنقاء والمحبة والسلام، إضافة إلى عدم القدرة على التمييز والدفاع عن النفس.

إن استخدام الأطفال في الحروب، سواء كدروع بشرية أو بالمشاركة في العمليات القتالية، يُعتبر جرائم حرب يُعاقب عليها القانون الدولي، فكيف إذا جرى تفخيخ طفل كما تُفخّخ آلية أو أي شيء آخر..؟ هذا ما لا يستوعبه لا عقل ولا منطق، وما لا يمكن لأي كائن مهما بلغت وحشيته وهمجيته أن يُفكّر به، لكنه للأسف حصل في سورية التي تشهد منذ سنوات ست حرباً استثنائية بكل المقاييس، خرقت فيها كل القواعد الأخلاقية والإنسانية مثلما خرقت فيها كل المواثيق والمعاهدات الدولية، على مرأى ومسمع العالم المتمدن الذي سنّ كل تلك التشريعات، والذي يقف حتى اليوم متفرجاً على ما يجري دون أن يرف له جفن، هذا العالم الذي تُشكّل في مجتمعاته جمعيات ومؤسسات للرفق بالحيوان، كما تضع القوانين لحماية تلك الحيوانات، بينما يتعامل معنا بما هو أقلّ من حقوق الحيوان بكثير. وهذا ما يتناقض مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية التي نصّت في المادة6  على ما يلي:

1- تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقاً أصيلاً في الحياة.

2- تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه.

كما يتعارض مع إعلان الجمعية العامة رقم3318 لعام 1974 الخاص بحماية النساء والأطفال زمن الحرب في البند3 منه والوارد فيه ما يلي:

(يتعين على جميع الدول الوفاء الكامل بالالتزامات المترتبة عليها طبقاً لبروتوكول جنيف لعام 1925 واتفاقيات جنيف لعام 1949، وكذلك صكوك القانون الدولي الأخرى المتصلة باحترام حقوق الإنسان أثناء المنازعات المسلحة، التي تتيح ضمانات هامة لحماية النساء والأطفال).

بالتأكيد، إن طفلة الميدان التي جرى تفخيخها وتفجيرها نهاية الأسبوع الفائت في قسم شرطة الميدان بدمشق، جاءت من مجاهل التشرّد والضياع، وربما استُغِلَّتْ بوعود زائفة في إعادتها لذويها أو منحها الدفء والأمان، إذ لا يمكن لأبوين بلغت ما بلغت قسوتهما أن يوافقا على تقديم ابنتهما قرباناً للوحشية والعنف، مهما كانت الغاية ومهما كان الثمن باهظاً، وبالتالي نحن أمام واقع الطفولة المُشرّدة في سورية والتي تلقى كل أنواع الإهانة والعنف والبؤس، في ظلّ التشرّد والتسوّل المؤدي حكماً للعديد من المخاطر التي أقلّها اكتساب سلوكيات سلبية تؤذي شخصية الطفل، وربما ترافقه مدى العمر.

بالتأكيد، إن هذا الواقع المأساوي كان نتيجة حتمية للحالة المعيشية المُزرية لغالبية السوريين قبل الحرب، فقد خيّمت البطالة بما تبعها من فقر وعوز وجوع، عززه غلاء مستفحل، وانسحاب غطاء الدعم عن محتاجيه، لاسيما من الشرائح الدنيا، ما دفع بالعديد من الآباء إلى طلب النجدة من أطفالهم لتأمين قوت يومهم، فجالوا في الشوارع متسولين أو باعة صغاراً أو ماسحي أحذية وزجاج السيارات الفارهة، فكانت ظاهرة أطفال الشوارع التي صارت حديث المهتمين حينذاك، دون أن تُلاقي الصدى المطلوب من المسؤولين والحكومة. أمّا عندما نشبت الحرب واشتدّ أوارها، فإن نيرانها أوّل ما طالت الشريحة الأضعف، وهم الأطفال الذين لاقوا ما لاقوه من مختلف أصناف العنف والتشرد والنزوح من مناطق القتال بلا سند أو ملاذ، ما جعل غالبيتهم لقمة سائغة للنفوس المريضة وأولئك الجشعين الذين تاجروا بكل شيء حتى البشر، فكانت الدعارة ترتدي لبوس أنواع مختلفة من الزواج طال القاصر قبل البالغة، كما نشطت حالات الخطف من أجل الاتجار بالأعضاء البشرية أو من أجل استخدام الأطفال في التسوّل أو في العمليات القتالية بالمناطق الساخنة. وهذا ما يتعارض مع المادة35 من اتفاقية حقوق الطفل التي تنصُّ على:

(تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الملائمة الوطنية والثنائية والمتعددة الأطراف لمنع اختطاف الأطفال أو بيعهم أو الاتجار بهم لأي غرض من الأغراض أو بأي شكل من الأشكال).

واليوم يتوصل العقل الإجرامي إلى أشنع وأفظع جريمة بحق الطفولة، وهي تفخيخ الأطفال لتفجيرهم بمراكز وأماكن يبتغيها مجرمون لا يعرفون من الإنسانية سوى شكلها، ولا من الدين سوى ترديد اسم الله بلا ذرة مخافة من الله عمّا يقومون به من أفعال وحشية وجرائم لم يشهدها تاريخ الحروب منذ بدء الخليقة.

إن واقع الطفولة السورية في الداخل والخارج يتناقض كلياً مع مختلف التشريعات والمعاهدات التي أكّدت ضرورة حمايتهم زمن الحرب، مثلما يتناقض مع اتفاقية حقوق الطفل في المادة38 ذات الصلة باستغلال الأطفال في الحروب، وهي تنصُّ على:

1- تتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الإنساني الدولي المنطبقة عليها في المنازعات المسلحة وذات الصلة بالطفل وأن تضمن احترام هذه القواعد.

2- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن ألاّ يشترك الأشخاص الذين لم يبلغ سنهم خمس عشرة سنة اشتراكاً مباشراً في الحرب.

3- تمتنع الدول الأطراف عن تجنيد أي شخص لم تبلغ سنه خمس عشرة سنة في قواتها المسلحة. وعند التجنيد من بين الأشخاص الذين بلغت سنهم خمس عشرة سنة ولكنها لم تبلغ ثماني عشرة سنة، يجب على الدول الأطراف أن تسعى لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سناً.

4- تتخذ الدول الأطراف، وفقاً لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنساني الدولي بحماية السكان المدنيين في المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح.

وبعد ست سنوات من الحرب العبثية، أين الشرعة الدولية برمتها من أطفال سورية المنذورين لكل أنواع وأشكال العنف؟!.

تمت قراءته 686 مرات
إيمان أحمد ونوس

ناشطة بقضايا المرأة والطفولة