العدد:768
تاريخ: 10/ أيار/ 2017
 

في ذمة التاريخ... أبا خلدون!

قييم هذا الموضوع
(2 أصوات)

عرفته لأول مرة، وجهاً لوجه، في اجتماعات الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، حين رحت أمثل الحزب الشيوعي الأردني فيها، بعد أن أبعدتني سلطات الاحتلال الإسرائيلية، بداية سبعينيات القرن الماضي. حينذاك، كان يصعب كثيراً خروج أحد من قيادة الحزب الشيوعي الأردني الذي كنا نعمل في إطاره، سواء من الضفة الغربية المحتلة أو من الأردن، مما كان يفرض أن أمثل الحزب وحدي في معظم هذه الاجتماعات. وقد استمر هذا الحال بعد تشكّل الحزب الشيوعي الفلسطيني، وانتقالي إلى صفوفه. كان أبو خلدون حاضراً في جميع هذه الاجتماعات. في البدء، كان يحضر في إطار وفد الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش، ثم راح يحضر على رأس أحد الحزبين الشيوعيين في سورية. أول ما استرعى انتباهي فيه، هو هدوؤه إلى الحد الذي يصعب إثارته، وتحليه بفضيلة الإصغاء بانتباه إلى محدثه. وحين يتحدث أو يعقب لم تكن تعوزه الحجة. وإذا كان الخلاف كما الاتفاق هما من الخصال الإنسانية، فإن الخلاف مع أبي خلدون لم يكن يؤثر مطلقاً على الاحترام المتبادل والروح الرفاقية في تعامله مع الآخر.

في تلك المرحلة، كان التطرف القومي ظاهرة تكاد تكون طاغية ومهيمنة في أوساط القوى السياسية المعادية للإمبريالية والصهيونية في عالمنا العربي، ولا سيما في شرقيه. وكانت بؤرة تجليات ظاهرة هذا التطرف تبدو في معالجات القضية الفلسطينية وذيولها. ولم ينجُ من تأثيرات هذا التطرف بعض الشيوعيين العرب، وبالتالي، كان هذا ينعكس في اجتماعات ونقاشات قيادات الأحزاب الشيوعية في هذه الاجتماعات. وحين يحتدم الخلاف، في هذا الميدان، كنت، في معظم الحالات، إن لم يكن فيها جميعها، أجد نفسي مع الرفاق العراقيين والسوريين في خندق واحد. وكانت مساهمات أبي خلدون متميزة في هذا المجال. كان النقاش المستعصي يمتد أحياناً، من صبيحة اليوم الأول إلى صبيحة اليوم التالي، دون انقطاع إلاّ لفترات قصيرة لتناول وجبات سريعة. وفي حالات كهذه، كنا نراهن على عامل التعب والإرهاق لتليين المواقف، من أجل الوصول إلى تسويات مقبولة، يعكسها البيان الختامي للقاء. وكان أبو خلدون من القلائل القادر على إخفاء مظاهر التعب والمهيأ لمواصلة المعركة. كانت هذه الاجتماعات تتم في معظمها في موسكو، وكان هذا يلقي عبئاً إضافياً على المشاركين فيها للحيلولة دون الفشل في التوصل إلى تسويات في بعض القضايا المعقدة التي يتصدى لها الاجتماع. في تلك السنوات الطويلة من الإبعاد عن أرض الوطن، كنت أحرص، لدى زيارة دمشق، على الالتقاء بأبي خلدون، أحياناً في مكتبه نصف العلني، وأحياناً في ضيافته الكريمة في بيته. لكن هذه الزيارات غدت نادرة بعد السماح بعودتي إلى مدينة القدس، وربما لم تتجاوز زيارتي لدمشق أكثر من مرتين منذئذ، حرصت فيهما على الالتقاء بأبي خلدون. وحين طالعت مذكراته، أثار إعجابي تناوله لظاهرة التسلط داخل الحزب، هذا التناول الذي خلا من التهجم أو الإسفاف، بل بروح من التقييم الموضوعي، ودون التخلي عن روح الاحترام للآخر، الذي ميّزت حياة الفقيد الغالي.

وإذا كان أبو خلدون، القائد الشيوعي المعروف، قد رحل عنا جسداً، فإن ذكراه العطرة ستبقى حية في ضمائر كل من عرفه وتعامل معه.

تمت قراءته 61404 مرات