العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

الاحتجاجات الشعبية في تركيا... لماذا في هذا الوقت بالذات؟!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

يبدو الحراك الشعبي الذي أخذ مجراه في المجتمع التركي أوائل حزيران 2013 في واقع الأمر، انتفاضة قد تتحول إلى مد ثوري. فما حدث في (ساحة التقسيم) وسط مدينة إسطنبول احتجاجاً على تحويل الساحة العامة إلى مشروع تجاري استثماري هو أكثر من مجرد فورة، يعود المجتمع إلى ما كان عليه قبلها، أي أكثر من هبة، لكنه أقل من ثورة بكثير.. ويرجع ذلك إلى طبيعة المطالب الواضحة والمعلنة والضمنية للقوى التي انخرطت في تلك الحركة الاحتجاجية وأهدافها.

ومنذ فوز حزب العدالة والتنمية بفترة ولاية ثانية، مضى الحزب في سياسة التضييق على الحريات العامة، وتقديم عدد من رموز المعارضة إلى المحاكم بتهم إثارة الفوضى، فاعتقلت قوات الأمن مئات الصحفيين والضباط المتقاعدين، والخصوم السياسيين  والأكاديميين والمثقفين، بينما لم تقدم أدلة ملموسة تشير إلى وجود مؤامرة أو انقلاب، ولذلك بدأ الحزب يواجه عدة انتقادات بسبب استخدامه هذه القضية ذريعة لتخويف كل من يعارض أجندته. وقد أظهرت تلك الممارسات مدى عدم الاستقرار الذي قد تصل إليه الديمقراطية التركية.

ولطالما كانت تركيا واحدة من أكثر الدول إثارة للجدل، جال القادة الأتراك العالم في الفترة الراهنة، ما بين الشرق والغرب، لطرح رؤية تركيا الدبلوماسية وتدعيم العلاقات التجارية وتسويق سياستها ل(أمن المنطقة واستقرارها). هذا إضافة إلى تأكيد الدبلوماسية التركية لمفهوم الرباط التركي- الآسيوي- الأوربي، والرباط التركي - الشرق أوسطي، وهو ما يمثل تحولاً في توجهات السياسة التركية الخارجية، الأمر الذي أثار عدداً من التساؤلات من الولايات المتحدة والغرب حول حقيقة هذا التحول، وكيفية التقاء التطلعات التركية مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة والغرب في المنطقة، ناهيك باعتراضات أحزاب المعارضة القومية.

المصالحة التركية  الكردية

يتضمن (إعلان ديار بكر) الذي تم التوصل إليه بين الحكومة التركية، وزعيم حزب العمال الكردستاني السيد عبدالله أوجلان في سجنه، نقاطاً عدة أبرزها: تأكيد انتهاء عهد العنف المسلح، ووقف متبادل لإطلاق النار، يليه انسحاب تدريجي لمقاتلي حزب العمال من تركيا إلى شمال العراق، وتشكيل لجنة برلمانية لمتابعة الانسحاب، والتأكد من الامتناع عن ملاحقة أي مسلح منسحب، قضائياً، أو عسكرياً، أو أمنياً.

في المقابل ينتظر حزب العمال الكردستاني من حكومة حزب العدالة والتنمية إجراء تعديلات دستورية تشمل قوانين وضعها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، أهمها: إعادة تعريف حق المواطنة في تركيا الذي صهر كل  الأعراق تحت سقف العرق التركي، وهذا تغيير مهم سيطول هوية الجمهورية التركية، والرهان على نيله إجماعاً شعبياً ليس مضموناً. إضافة إلى إقرار قانون الإدارة المدنية بصيغة أوربية، وهذا أمر تعاقبت الحكومات التركية على رفضه، خشية تحول تركيا من دولة قومية مركزية إلى اتحاد كونفدرالي أو فيدرالي.

وتشير أوساط كردية إلى أن أكراد تركيا لايريدون الانفصال، ولا الكونفدرالية أو الفيدرالية، بل جمهورية تركية ديمقراطية موحدة لها أقاليم ذات حكم ذاتي مدني، واعتراف بالهوية الكردية في الدستور، وهو المطلب الذي يريده الشعب الكردي في مختلف أماكن وجوده. إن الحديث عن التسوية التركية- الكردية التي لا تفتقد الشروط المؤاتية، لن يكتمل دون الحديث عن المعوقات التي يمكن أن تنتصب في مواجهتها، وأهمها مدى مصداقية حزب العدالة والتنمية في التجاوب مع التطلعات الكردية في تركيا حتى النهاية، خصوصاً أن الحكومة التركية لاتزال ترفض الاعتراف بوجود قضية كردية في تركيا، كما مدى قدرة رجب طيب أردوغان على التسويق لمثل هذه التسوية، في حال أبرمت بشكل نهائي، في ظل التناحرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل التركي.

النفوذ التركي و(الربيع العربي)

تتمتع تركيا بنفوذ كبير في المنطقة، ومع ذلك، فإن الطريق أمامها سيكون وعراً، فقد حكمت تركيا الشرق الأوسط العربي حتى الحرب العالمية الأولى، وينبغي أن تكون حذرة الآن إزاء الكيفية التي ينظر بها العرب إلى سياستها في بلادهم. فربما يكون العرب منجذبين إلى إخوانهم المسلمين، لكن الأتراك يظلون مثل الغربيين، إمبرياليين سابقين.. والآن ينتفض الشعب العربي من أجل الكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية والسيادة، وفي حال تصرفت تركيا وكأنها قوة إمبريالية جديدة، فإن هذا النهج سوف يأتي بنتائج عكسية، وفي (مؤتمر بحثي أكاديمي) عقد مؤخراً في جامعة زيرف، وهي جامعة لامعة في تركيا تمولها الشركات المحلية العملاقة التي جعلت تركيا قوة اقتصادية إقليمية متقدمة، اختلف الأتراك والقوميون والعرب الليبراليون والإسلاميون المشاركون في المؤتمر حول أغلب القضايا، لكنهم اتفقوا على شيء واحد، وهو أن تركيا هي موضع تقدير في منطقة الشرق الأوسط، لكنها لا ينبغي أن تفكر بالسيطرة عليه. وفي شهر أيلول من العام الماضي، عندما هبط السيد أردوغان على مدرج مطار القاهرة الجديد (الذي بنته الشركات التركية)، قوبل بحفاوة من المستقبلين الذين حشدهم له حزب الإخوان المسلمين الحاكم، إلا أنه سرعان ما أغضب مضيفيه بالوعظ حول أهمية وجود (حكومة علمانية توفر حرية التديُّن). إن هذا الحادث يوضح حدود نفوذ تركيا في البلدان التي تبقى أكثر محافظة اجتماعياً مقارنة بتركيا. ربما تكون لتركيا اليد الطولى في (القوة الناعمة)، لكن للولايات المتحدة والغرب المزيد من (القوة الصلبة)!

يعمل أمن تركيا واستقرارها في وقت تمر فيه هذه المنطقة بحالة غليان على جذب الاستثمارات الأجنبية الأكثر استقراراً.. وفي نهاية المطاف يشكل الاستقرار الداخلي والنفوذ الإقليمي (رأسمال تركيا النقدي الثابت)، وسوف يعتمد نموها الاقتصادي على الأمرين، فإذا كانت تركيا تطمح لأن تصبح (منارة للديمقراطية) في الشرق الأوسط، فينبغي أن يوفر دستورها الجديد حقوقاً وحريات أوسع للمواطنين في البلاد، وبضمنهم الأكراد، بوصفهم القومية الثانية، وستكون في حاجة أيضاً إلى تحقيق رؤية وزير الخارجية أحمد داود أوغلو لسياسة (صفر مشاكل)، وهذا يعني التصالح مع القبارصة اليونانيين الذين يعيشون في الجزء الجنوبي من جزيرة قبرص المقسمة، بينما يسيطر القبارصة الأتراك على الشمال.. ويريد القبارصة الأتراك فيدرالية فضفاضة، فيما تريد الغالبية من القبارصة اليونانيين حكومة مركزية قوية.

المصالح التركية في القوقاز

يعد جنوب القوقاز مجالاً آخر لدراسة مظاهر نشاط أنقرة ومصالحها في المنطقة، حيث تعد منطقة القوقاز المورد الرئيسي للهيدروكربون للأسواق الأوربية عبر تركيا، مما يعزز العلاقات التركية - الأوربية. إن استراتيجية أنقرة في منطقة جنوب القوقاز تنحصر في محورين أساسيين هما، تأكيد أمن المنطقة وسلامتها، والحد من الخلافات الدائرة فيه، وكذلك دعم دور تركيا بصفتها وسيطاً لنقل الموارد البترولية من دول القوقاز إلى أوربا.

وقد مثلت تلك الاستراتيجية الدافع الرئيسي وراء فعالية دور أنقرة في حل النزاع بين روسيا وجورجيا.. ويرجع ذلك إلى أن المصلحة التركية في المنطقة تتمثل في أن يطبق ما تسميه أنقرة (تسوية القوقاز الكبرى)، والتي تضمن تأمين الحدود وفتحها بين كل من أذربيجان وأرمينيا وتركيا، هذا إلى جانب تحقيق تطبيع كامل للعلاقات بين تركيا وأرمينيا بعد صراع دام على مر العصور المنصرمة. فعلى الرغم من طموحات تركيا المتعددة في المنطقة، إلا أن قيادة حزب  العدالة والتنمية تدرك أنه ليس من الممكن أن تحقق تركيا أياً من تلك المكاسب سوى من خلال دعم علاقات ممتدة ومستقرة مع روسيا. فمنطقة القوقاز لا تقع فقط بجوار تركيا، بل كذلك تقع في النطاق الجغرافي المحيط بروسيا.. هذا إلى جانب العلاقات الراسخة بين دول القوقاز وروسيا، وبالتالي لا يمكن أن يتسع شأن تركيا في المنقطة من دون مساندة روسيا لها.

مكاسب الولايات المتحدة وأوربا

لطالما تخيلت الولايات المتحدة وأوربا تركيا أكثر قبولاً للخضوع للمصالح الغربية في المنطقة، وأكثر سعياً وراء تلبية تلك المصالح. إلا أن تركيا الحديثة تحتل الآن المرتبة السابعة عشرة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهي عضو في مجموعة الدول العشرين الصناعية، وعضو غير دائم بمجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة، بما يجعل لديها من القوة ما يكفي لئلا تخضع لمطالب الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي، دون الإبقاء على أوّلية مصالحها. وينعكس هذا في سعي أنقرة للتعامل بشكل فردي وأكثر استقلالاً دون سيطرة المصالح الغربية على سياساتها الخارجية.

ولكن على الرغم من ذلك، فمجريات الأمور تبرهن على أن هناك نقاط التقاط بين كلا الشريكين، وذلك لأن مصالح تركيا الكبرى ينبغي أن تنصب على ضمان الأمن والاستقرار في المناطق المجاورة، والتي تعدُّ استراتيجية لتحقيق نشاط اقتصادي، وعياً بأن المصالح الاقتصادية والمصالح السياسية متلازمان.. فمصالح أنقرة في المنطقة تتماشى ومصالح الغرب، مما يجعل تركيا مؤهلة لتكون شريكاً للقوى الغربية، على الرغم من أن منهج تطبيق هذه المصالح واستراتيجياتها مختلفة بين الشركاء، إلا أنها تتلاقى وتتقاطع في أماكن مختلفة، ولذلك تسعى تركيا للحفاظ على شراكتها مع الولايات المتحدة وأوربا، وعياً منهاً بأن تحقيق مصالحها في المنطقة مرتبط بمصالح الولايات المتحدة وأوربا، وكذلك لن تتحقق هذه المصالح دون مساعدتهما.

تمت قراءته 606 مرات