العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

بين استحقاق «دبلوماسية المكوك»... واستحقاق حل الدولتين! جولة كيري الرابعة في المنطقة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

بدأ وزير الخارجية الأمريكي جون كيري زيارته الرابعة في أقل من ثلاثة أشهر إلى المنطقة، متنقلاً بين تل أبيب ورام الله وعمان، في وقت أعلن فيه بنيامين نتنياهو تجميد (عطاءات الاستيطان) بناء على اتفاق مضمر مع جون كيري، الذي يبدو أنه في (دبلوماسيته المكوكية) يسعى إلى انتزاع تنازل جديد من العرب عبر إقناعهم بالاعتراف بالدولة اليهودية.

وعشية مغادرة جون كيري تل أبيب متوجهاً إلى رام الله يوم 23/5/،2013 أمر نتنياهو بتجميد استدراجات العروض لبناء وحدات سكنية تجميداً مؤقتاً، في مستوطنات الضفة الغربية، لعدم إعاقة الجهود الأمريكية الرامية إلى تحريك المفاوضات مع الفلسطينيين. وأوضحت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن نتنياهو أبلغ قراره إلى وزير الإسكان أوري أريئيل بالتزامن مع وصول كيري إلى المنطقة.

من جهة ثانية كشفت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية يوم 21/5/،2013 عن جهد تبذله الإدارة الأمريكية عبر (دبلوماسية المكوك)، من أجل إقناع عدد من القادة والزعماء العرب بالإعلان عن قبولهم بمبدأ (الدولة اليهودية)، وذلك بعدما أعلنوا قبلوهم مبدأ (تبادل الأراضي) بناء على حدود عام 1967.

وبحسب الصحيفة نفسها، تأمل الإدارة الأمريكية من وراء تحقيق هذا الإنجاز تأمين (مظلة عربية) تمنح عمقاً استراتيجياً وتعزز (موقف إسرائيل والسلطة الفلسطينية)، بحيث يصبح ممكناً إقناعهما باستئناف المفاوضات على أساس حدود عام ،1967 وتبادل الأراضي من جهة، والاعتراف بدولة يهودية من جهة أخرى.

دبلوماسية المكوك الأمريكية

كان لإسرائيل اليد الطولى في تطويع (دبلوماسية المكوك) الأمريكية لمصلحتها، حتى من حيث تحديد توقيت الجولات الأربع لجون كيري في المنطقة، بصرف النظر عن أهدافها، ولذلك قصة أخرى أشد وقعاً من حيث توظيف هذه الدبلوماسية في خدمة ائتلاف حكومي عنصري إسرائيلي بات يحظى بالمنعة أكثر من أي وقت مضى.

مفارقة في اتجاه مضاد لما بدا في الخطاب الرسمي العربي والفلسطيني محاولة لاستعادة (المبادرة التفاوضية) عبر دبلوماسية (حشر الطرف الآخر) وتحميله مسؤولية فشل عقدين من المفاوضات، من خلال إحياء المبادرة العربية للسلام في قمة الدوحة الأخيرة، والإيحاء الساذج بأنها أشبه بالطلقة الأخيرة لإنقاذ ما بات يعرف ب(حل الدولتين)!

وفي سياق ذلك عكس كل من السلوكين الفلسطيني والإسرائيلي إزاء (دبلوماسية المكوك) الاختلال الفادح في ميزان القوى القائم على الأرض وداخل غرف اللقاءات والمشاورات، إذ تتحول رسالة الضحية لجلادها إلى شكوى واستجداء للرحمة في صراع يدور على الوجود والبقاء، ولا يمارس فيه الجلاد أي نوع من الرحمة، وهو يصبح كذلك، لأنه الطرف الأقوى في معادلة الصراع والتفاوض القائمة حالياً، ولا يؤمن أصلاً بفكرة تجميد الاستيطان وإنهاء الاحتلال.. وفي  الواقع ليس هناك ما يدفعه أو يجبره حتى الآن على تغيير سياسته المستمدة من هذا الإيمان.

لم يصمد طويلاً الإيحاء الساذج الذي حمله وفد القمة العربية الأخيرة في الدوحة إلى الرئيس الأمريكي أوباما، كآخر سهم في جعبة المفاوض الفلسطيني قبل استبدال جعبة أخرى بها تعج بسهام ربما تطلق في اتجاه خيارات استراتيجية بديلة.. فقد سارع الرئيس الفلسطيني أبو مازن نفسه في قمة الدوحة، إلى تأكيد تمسكه بخيار المفاوضات، واستبعاده الخيارات الأخرى استبعاداً حازماً ومطلقاً. وفي ضوء ذلك يمكن فهم السياق العام الذي تندرج في إطاره (دبلوماسية المكوك) التي ينتهجها جون كيري والخطوات التي ستليها من خلال البدء أولاً بحصر الخيارات المستبعدة عن طاولة البحث لدى القيادة الفلسطينية، والتي تشمل مايلي:

1- وقف المفاوضات: لايبدو أن هناك خياراً آخر غير الاستمرار في المفاوضات، في إطار فلسفة قوامها أن (ما لا يأتي بالتفاوض، يمكن أن يتحقق بمزيد من التفاوض). وقد سبق أن أكد الرئيس أبو مازن أن المفاوضات هي خياره الأول والثاني والثالث.. حتى في ظل ذروة الهجمة العنصرية التهويدية على مدينة القدس، وإعلانها (مدينة موحدة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل). وجدد أبو مازن تمسكه بالمفاوضات أمام جون كيري، وقال إنه مستعد للتفاهم مع نتنياهو بشأن اتفاق للسلام في الشرق الأوسط في حال قدم الأخير (أي شيء واعد أو إيجابي) في لقاء عمان الرباعي الذي سيعقد على هامش أعمال منتدى دافوس الاقتصادي على شاطئ البحر الميت، ويضم كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين والأردن.

2- عزل إسرائيل.. أو حل السلطة: لقد سارع مسؤولون فلسطينيون إلى التأكيد أن خيار عزل إسرائيل أو حل السلطة ليس مطروحاً، على الرغم من مسؤولية إسرائيل عن تعطيل المفاوضات وإيصالها إلى طريق مسدود.. وكذلك (حل السلطة) ليس مطروحاً على الرغم من أنها (لم تعد سلطة)، بل إدارة مدنية تتولى الشؤون الحياتية والخدماتية للسكان، من دون الأرض والسيادة.

3- المقاومة بأشكالها المختلفة: على الرغم من عدم وجود جديد في استبعاد خيار المقاومة المسلحة، فإن خيار توسيع نطاق المقاومة الشعبية السلمية وتعزيزها، بات يستخدم فزاعة يجري ربطها بالفلتان الأمني، مع منع وصول أي مسيرة سلمية إلى مناطق الاحتكاك مع قوات الاحتلال (حفاظاً على حياة الفلسطينيين)، وبذلك أضيف توسيع المقاومة الشعبية وتأطيرها إلى قائمة الخيارات المستبعدة. فقد أعلن الرئيس أبو مازن: (مادمت رئيساً للسلطة الفلسطينية، لن أسمح أبداً باندلاع انتفاضة جديدة، مهما كان شكلها.. أما الذين يتحدثون عن المقاومة المسلحة، فليفعلوا ذلك بعيداً عن الشعب الفلسطيني).

ويذهب الرئيس أبو مازن إلى أبعد من ذلك، باستبعاده أن تشهد الضفة الغربية حراكاً شعبياً واجتماعياً شبيهاً بالذي تشهده بعض البلدان العربية. وفي سياق حديثه عن إنجازات السلطة قال أبو مازن: (إنجازها الأهم هو الأمن). مضيفاً أنه (بعد إخفاق انتفاضتين سابقتين، أصبح ما من أحد يرغب في رؤية المزيد من المواجهات الدامية مع إسرائيل).

4- وقف التنسيق الأمني: وهو خطوة مرتبطة بما سبق، فبقاء السلطة على حالها من حيث الشكل والدور والوظائف، يعني عملياً البقاء في دائرة المحاولات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة لتكريس السلطة، بوصفها وكيلاً إدارياً وأمنياً واقتصادياً لسلطة الاحتلال. كما أن التمسك باستمرار التنسيق الأمني، ورفعه إلى مصاف (المصلحة الوطنية) يتحول تلقائياً إلى أحد متطلبات (عدم السماح) باندلاع انتفاضة جديدة. وقد وصف الرئيس أبو مازن مجرد الحديث عن وقف التنسيق الأمني بأنه (كلام فارغ)، وبالتالي فإن كل ما يقال بهذا الشأن هو (مزايدات رخيصة) حسب رأي الرئيس الفلسطيني.

5- الدولة الواحدة أو ثنائية القومية: على الرغم من إعلان العديد من المسؤولين الفلسطينيين عن مخاوفهم من إمكان القضاء على أي فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة في ضوء استمرار عمليات التوسع الاستيطاني في 62% من أراضي الضفة الغربية المحتلة منذ عام ،1967 فإن الإصرار على التمسك بما بات يعرف ب(حل الدولتين) يغلق الطريق على التفكير في الخيارات الاستراتيجية في ظل انسداد الأفق أمام تحويل مشروع الإدارة المدنية المنقوصة إلى دولة مستقلة في حدود الرابع من حزيران عام ،1967 إلى جانب ضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجّروا منها عام ،1948 وممارسة حق تقرير المصير في آن واحد. وفي هذا السياق يقول الرئيس الفلسطيني: (إسرائيل تجعل حل الدولتين غير ممكن من خلال الاستيطان، وهي تحاول بكل السبل أن تقضي عليه). وأكد الرئيس أبو مازن أنه (لايتفق مع الدعوات إلى الدولة الواحدة أو الثنائية القومية).

وإذا أضيف إلى قائمة الخيارات المحظورة في التفكير السياسي الفلسطيني، الاستعصاء في مسار تحقيق المصالحة الوطنية، وإنهاء حالة الانقسام المدمر، وبضمنه أعادة إحياء مؤسسات (م.ت. ف) وتفعيلها، فماذا بقي من خيارات أمام الفلسطينيين سوى بقاء الوضع القائم على حاله، بما يتطلبه من المحافظة على منسوب من الاتصالات الفلسطينية- الإسرائيلية- الأمريكية عبر (دبلوماسية المكوك) التي برع فيها جون كيري.. وكذلك الحفاظ على أقصى درجات (الهدوء) على خطوط التماس مع الحواجز العسكرية والمستوطنات وجدار الفصل العنصري، وفي داخل مدينة القدس المحتلة.

غير أن ثمن الحفاظ على الوضع الراهن بالاستحقاقات المصنعة في سياق السياسة ذات الطابع الاستجدائي، سيكون باهظاً جداً. فمثل هذا الوضع يمكّن نتنياهو من توفير أقصى درجات الاستقرار لحكومة ائتلاف اليمين العنصري الصهيوني، من أجل مواصلة سياسة فرض  الوقائع على الأرض بقوة السلاح والاستيطان وجدران الفصل العنصري، وفي ظل سياسة عربية وفلسطينية تتلهى باستحقاقات تقطع الطريق على إمكان تبني خيارات استراتيجية تغادر مربع المفاوضات العبثية المرتهنة بالاختلال القائم في ميزان القوى، وتسعى لتغييره من خلال إعادة النظر في دور السلطة ووظائفها، ويحول دون تحولها إلى وكيل للاحتلال.. والعمل على بناء خيار المقاومة الشعبية الشاملة للاحتلال والاستيطان في (ميادين تحرير) فلسطينية في القدس ومحيطها، وتستند إلى تحقيق الوحدة الوطنية بإعادة بناء (م.ت.ف) ومشروعها التحرري الوطني الجمعي، والاستفادة مما هو قادم على المنطقة العربية، من ترسيخ لقيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والتعددية في ظل الدولة المدنية التي تمثل جوهر القضية الفلسطينية من جهة، والمعادية في جوهرها لمعاني وممارسات الاحتلال والاستبداد والعنصرية التي تمثلها إسرائيل من جهة أخرى.

تمت قراءته 700 مرات