العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

قضايا الخلاف الفلسطيني وآلية إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

جاء اجتماع الإطار القيادي الفلسطيني لتفعيل (م.ت.ف) وتطويرها يوم 8/2/2013 في القاهرة، بظل أجواء إيجابية عززت فرص تحريك ملف المصالحة باتجاه إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، أبرزها: صمود المقاومة، ومواجهة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وتحقيق مكسب دبلوماسي يوم 29/12/،2012 عبر نيل فلسطين مقعد (دولة مراقب) غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللذين جاءا على وقع (ثورات الربيع العربي) ومخاضها العسير.

وتجلى الحضور الإيجابي للحدثين معاً، الميداني بحيثياته ومآلاته، والسياسي بزخمه الدولي، في خطوات اتخذت لاحقاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمثلت في إطلاق سراح المعتقلين من سجون حركتي فتح وحماس، وتخفيف حدة التراشق الإعلامي، والترخيص بتنظيم مهرجانات الانطلاقة لحركتي فتح وحماس، ومن ثم توافق الطرفين على تشكيل لجان المصالحة المجتمعية، وعودة لجنة الانتخابات المركزية إلى قطاع غزة لتمارس مهمتها مجدداً، مما أشاع بشائر قرب إنهاء الانقسام في الشارع الفلسطيني، الذي شكل عنصراً ضاغطاً على كلا الطرفين للسير الجاد على خطا مصالحة متعثرة حتى الآن، وذلك حينما خرج الشارع بمظاهرات شعبية عارمة على امتداد عام ،2012 واستكملها في مطلع العام الحالي للتنديد بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية الخانقة، واستتباعاً في صورة تحركات متقطعة، ولكنها مرشحة للاستمرار في ظل بيئة حاضنة للتصعيد.

وإذا كانت مناخات (ثورات الربيع العربي) قد أذكت حراكاً شعبياً فلسطينياً لإنهاء الانقسام، فإن حراك الشباب بتلاوينه السياسية والفكرية المختلفة في الشارع العربي، وفّر غطاء رعاية محايد بين حركتي فتح وحماس لتحقيق المصالحة، بما تجلى في إسناد قوى المقاومة أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وبالتالي في تشكيل رافعة قوية لترتيب لقاء أطراف الحوار الفلسطيني في القاهرة.

عوامل مساعدة يفترض استثمارها لإنجاح المصالحة

لم يكن العامل الإسرائيلي الموغل في عدوانه بعيداً عن دوافع اجتماع القاهرة الأخير، كما عن محدداته أيضاً، في ظل نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي أفرزت توليفة يمينية متطرفة ستجد حضورها في المشهد السياسي، وتالياً في أركان حكومة أكثر غلواً وتشدداً وتمدداً استيطانياً، بما يشي بتقويض (حل الدولتين)، وانحسار المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية ضمنها، بعدما تمكن الاحتلال من قضم زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية، مبقياً أقل من 20% فقط للفلسطينيين، أي ما يعادل 12% من مساحة فلسطين التاريخية، فيما تمتد (البقعة) الخارجة عن يده ضمن ثمانية (كانتونات) غير متصلة جغرافياً، لتشكل مع مساحة قطاع غزة قوام الكيان الفلسطيني المستقبلي، وفق الرؤية الإسرائيلية، الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار (حكم ذاتي) معني بالشؤون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولين للاحتلال.

إلا أن ذلك كله لم يسهم، حتى اللحظة، في ترميم خلاف حركتي فتح وحماس، والدفع باتجاه وحدة وطنية ملحة لمجابهة عدوان الاحتلال المتواصل، وإنما راكم أزمة ثقة بين الطرفين حالت دون تنفيذ اتفاقيات متوالية بقيت حبراً على ورق، وعرقلت تحقيق إنجاز ملموس لملف المصالحة وعناصره الرئيسية وهي: تشكيل حكومة وفاق وطني، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وإحياء (م.ت.ف) وتفعيلها، والمصالحة المجتمعية، والسلم الأهلي، والحريات العامة.

وقد تجلت الأزمة مؤخراً، نتيجة عدم حسم قضايا خلافية أساسية في قانون انتخاب المجلس الوطني، وأبرزها علاقة المجلسين (الوطني والتشريعي)، وما بين (الوصل) أو (الفصل)، وآليات النظام الانتخابي، وتحديد الدوائر الانتخابية، وقضية إشراف لجنة الانتخابات المركزية على إجراء الانتخابات خارج الأراضي المحتلة، حيثما أمكن ذلك. وقد امتد الخلاف إلى البرنامج السياسي ل(م.ت.ف) في ظل مطالبة حركة حماس بتغييره، وصياغة برنامج سياسي جديد يتناسب مع التطورات والتحولات الجارية، وبما يدخل في إطار البحث في (اتفاق أوسلو) والإقرار بحدود عام ،1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وفق (حل الدولتين)، والتوافق على الخيارات الاستراتيجية لإنهاء الاحتلال، وتحقيق الاستقلال الناجز.

وقد أفسح تأجيل البت في موعد تشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات، مجالاً خصباً أمام تبادل حركتي فتح وحماس اتهامات إفشال التقدم في الحوار الوطني.. إذ حذرت حركة حماس من (استجابة السلطة في رام الله للضغوط الأمريكية بعد إنجاز المصالحة والعودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، في ضوء الزيارة الأخيرة للرئيس أوباما ووزير خارجيته جون كيري إلى المنطقة)، بما جعل ملف المصالحة رهينة القوى الخارجية، وليس شأناً وطنياً داخلياً، سواء جرى تقديمها قرباناً لشرعية مسار التفاوض، أم تم التجاوز عنها رضوخاً لمطالب واشنطن، وهو الأمر الذي تنفيه حركة فتح عبر استخدام الاتهام نفسه (تعطيل المصالحة) وإلقاء المسؤولية على حركة حماس.

شروط ومحددات إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام

هناك جملة من الشروط والمحددات الداخلية والخارجية المتداخلة أمام تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، أبرزها:

1- ينبغي أن تحقق نواتج الانتفاضات التي أنجزت بإرادة شعوبها تطلعاً لغد أفضل، وبما يؤدي إلى نهضة الأمة وتقدمها، لتشكل نصيراً وعمقاً عربياً لمقاومة الشعب الفلسطيني بشتى أشكالها، وفي مقدمها المقاومة المسلحة لدحر الاحتلال، وإنجاز حق تقرير المصير والاستقلال، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هُجّروا منها عام 1948.

غير أن انشغالات بلدان (الربيع العربي)، لاسيما جمهورية مصر العربية، بأزماتها وقضاياها الداخلية، وبصدّ محاولات التدخل الخارجية، يجعلها غير مؤثرة، أنياً على الأقل، في تقديم الدعم المطلوب للفلسطينيين، خارج سياق الموقف التضامني الذي ظهر أثناء العدوان على قطاع غزة، فيما تحتاج عملية التغيير والإصلاح المنشودة وعودة الاستقرار والأمن للمنطقة، إلى سقف زمني يقدره خبراء بنحو عقد من الزمن، ليصار بعدئذ إلى عقد الآمال على دعم حقيقي ومؤثر للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، بما يمنح الاحتلال فرصة كافية لتعميق الخلل القائم في ميزان القوى لصالحه.

2- لم يكن استمرار الانقسام بين حركتي فتح وحماس مجرد صراع على السلطة، كما يراه البعض سبباً أوحد، وإنما هو انعكاس لخلاف سياسي وأيديولوجي، واختلاف بين رؤيتين حول طريقة التعاطي مع مهمات برنامج العمل الوطني التحرري.. لم تتمكنا حتى الآن من التوافق على قضايا جوهرية مرتبطة بمسارَيْ المقاومة والمفاوضات، وقد يطول الأمر بانتظار أن تتوافق الرؤيتان، أو أن يحسم الأمر لإحداهما.

فيما تدير حكومة رام الله السلطة في الضفة الغربية، في ظل التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفتح المجال أمام خبراء الإدارة الأمريكية لما يسمى (بناء الأجهزة الأمنية)، وبما يتوافق مع استحقاقات (خريطة الطريق)، فكفت يد المقاومة المسلحة - لحساب المقاومة الشعبية- لكنها لم تنجح في نيل أدنى تعهد من الإسرائيليين بكف أيديهم عن مواصلة الاستيطان، ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، واعتقال المناضلين، بينما وقعت حكومة قطاع غزة أسيرة بين الحصار والإفشال، وربما الاجتثاث لاحقاً. إذا ما قدر للمفاوضات أن تُستأنَف على أرضية وشروط اتفاق أوسلو وفي ظل المساعي الأمريكية لفرض شروط الرباعية الدولية على حركة حماس، إلا أن إصرار فصائل العمل الوطني على التمسك بالمقاومة والإعداد لمواجهة أي عدوان إسرائيلي جديد، دليل على تمسك الشعب الفلسطيني بكامل حقوقه الوطنية والقومية المشروعة.

3- لايزال العامل الإسرائيلي يلعب دوراً مهماً في وقوع الانقسام واستمراره، وعدم حله، بسبب سيطرته على ثلاثة ملفات من تلك المطروحة على طاولة الحوار الفلسطيني، وهي: الحكومة، والانتخابات، والأمن، وقدرته على تعطيلها وإفشالها، وبسبب استفادته المثلى من استمرار الانقسام لمتابعة مشروعه الاستيطاني التهويدي العنصري في فلسطين، والركون إلى واقع القطيعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، للتدليل على ما يدعيه أمام المجتمع الدولي من مزاعم عدم وجود (شريك فلسطيني) مفاوض، وانتفاء ركائر إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة على حدود عام ،1967 خلافاً للمساعي الفلسطينية في المحافل الدولية.

ويتماهى (الفيتو) الأمريكي مع الشروط والمحدد الإسرائيلي ضد المصالحة وإفشالها، إلا إذا جاءت ضمن مواصفات ومعايير معينة تساعد على استئناف المفاوضات العقيمة مع الطرف الإسرائيلي، وذلك لدرء خطر الوحدة الوطنية الفلسطينية على المشروع الصهيوني العنصري في فلسطين، وتقوية الموقف الفلسطيني التفاوضي والمقاوم لاستعادة الحقوق كاملة دون نقصان، فضلاً عن تبعات مشاركة حركة حماس في حكومة الوفاق الوطني، وانضوائها في إطار (م.ت.ف) ومؤسساتها.

وفي المحصلة فإن غياب الإرادة الحقيقية عند حركتي فتح وحماس لإنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام، يفسح المجال أمام التدخل الخارجي بين ثنايا التباينات والخلافات لضرب المشروع الوطني الفلسطيني. إلا أن صده يتطلب المضي قدماً في إنجاز الوحدة الوطنية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، تمهيداً لوضع استراتيجية عمل مشتركة على أساس الجمع بين المقاومة والمفاوضات، لمواجهة الاحتلال ودحره، وانتزاع الاستقلال وتقرير المصير، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم.

تمت قراءته 787 مرات