العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

سورية..والصراع الإقليمي الدولي

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 يوماً بعد يوم يتكشف ما كان يُراد من وراء ما سمي (الثورات العربية) أو (الربيع العربي)، فقد غُرِّر بالشعوب التي كانت توّاقة لركوب سفنٍ تمخر  بحر الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فهاجت بها رياحٌ لا تشتهيها، وتاهت في عباب البحر المتلاطم الأمواج بعيدةً عن شاطئ الأمان، وباتت سورية ساحة للعبة لاأخلاقية دولية، عبر عملاء ووكلاء لأقوياء العالم المنفردين بالوصاية على شعوب الشرق الأوسط، فها هم أولاء يستبيحون الأراضي السورية بمبررات شرعنوها بموجب قانون القوة والوصاية و.....الخ، وهي مرفوضة ومدانة من الشعب السوري بكل أشكالها، والاجتياح العسكري التركي لأراضي سورية جزء من تلك اللعبة التي كشفت ووضحت مسارات وسيناريوهات  الصراع الدولي والإقليمي لتقاسم النفوذ على الأراضي السورية، في الوقت الذي تتشرذم فيه القوى السياسية التي ادّعت حرصها على وحدة الأراضي السورية وكرامة شعبها، في ضوء الصراع القائم في سورية وعلى سورية خدمةً للاعبين الدوليين والإقليميين،  ولطموحاتٍ ضيقة ما دون وطنية، فبات مكشوفاً أن لا صداقات إلا من أجل المصالح، ولا عداوات من أجل القيم و المبادئ. فروسيا التي تبرر وجودها بدعوة الحكومة السورية لها، فبأي مبرر روسيا تدعو تركيا لتشاركها في الشأن السوري بدءاً من الشمال السوري مروراً بالقلمون الشرقي والغوطة الشرقية، وربما انتهاء بالجنوب السوري؟ أليس هذا مؤشراً لمرحلة تقسيم سورية بالوصاية وعبر الوكلاء ما بعد داعش؟ وقد بات واضحاً أن لعبة الاصطفافات السابقة كانت مرحلية تكتيكية مؤقتة، واليوم دخلت مرحلة الاستراتيجيات المستقبلية البعيدة المدى.

بالأمس كان هدف التحالف الأمريكي الغربي الخليجي التركي ووكلائه في سورية قد تمحور حول هدف معلن: (إسقاط النظام السوري)، والهدف المخفي والأساسي هو إفشال الدولة السورية وتقسيمها، بجعلها رهينة الصراعات الطائفية والمذهبية والقومية على شاكلة الصومال ولبنان والعراق ...الخ؛ ولما فشل مشروعهم ذلك، بفضل الوعي الوطني لمعظم الشعب السوري، بكل مكوناته، وتقديمه التضحيات الجسام دفاعاً عن أرضه ومقدراته، ها هم أولاء يعيدون اليوم إعادة التمحور والتموضع وتغيير التكتيكات، وبناء الاستراتيجيات الهادفة لتوزيع مناطق النفوذ، بمعزل عن إرادة الشعب السوري، وكل ما جرى ويجري الآن هو بالضدّ من طموحات الشعب السوري ورغباته، وخاصةٍ في شمال سورية وشمال شرقها، وشرقها  وجنوبها؟ وها هي ذي أمريكا تسعى لإعادة مياه العلاقات بينها وبين تركيا، كدولتين في حلف الناتو، إلى مجاريها! وهي تُطَمْئن تركيا بأنها حليفة استراتيجية وأنها تتفهّم مخاوفها من نشاط (المجموعات الكردية)- هكذا سمّتها الخارجية الأمريكية. وتأكيداً لمصداقيتها اتجاه تركيا فقد شرعنت الغزو التركي لعفرين، بمبرر حماية أمنها القومي- حسبما صرحت قيادة الناتو- متناسية أن عفرين تحت سيطرة (قوات حماية الشعب) التابعة لـ(الإدارة الذاتية) التي يديرها (مجلس سورية الديمقراطي)، والتي حررت ثلث الأراضي السورية، بالتعاون معها، من (داعش)، وذلك بهدف التموضع في منطقة نفوذ تجمع فيها وكلاءها من (المعارضة السورية) التابعة لتركيا، تمتد ما بين  إعزاز وجرابلس، وتتجه باتجاه الجنوب والجنوب الشرقي، مروراً بعفرين والباب وإدلب والقلمون الشرقي وشرقي الغوطة الشرقية، امتداداً إلى التنف، وصولاً إلى الجنوب السوري. والهدف من ذلك:

- روسياً: قدمت روسيا لتركيا تسهيلات تلو التسهيلات، بدءاً من عفوها عن إسقاط  طائرتها ومقتل طيارها ومقتل سفيرها في أنقرة، وآخرها: انسحابها من عفرين تمهيداً للغزو التركي لها، كل تلك الإغراءات الروسية لتركيا حتى تأمن جانبها، لأنها الخاصرة الرخوة في مواجهتها مع الناتو، هذا من جهة، وهي تحاول إرضاء تركيا وإقناعها بقبول الحضور الكردي في مفاوضات التسوية السورية النهائية، وبذلك تكسبهم إلى جانبها وفق منظورها وبما يحقق مصالحها الاستراتيجية في سورية والشرق الأوسط، لأنها تدرك أنه لا يمكنها ذلك بغياب الطرف الكردي كورقة قوية تستخدمها ضد خصومها، وأقل ما في الأمر أن تخرج بجزء من الكعكة السورية، ومنها مناطق نفوذ لها في المنطقتين الوسطى والساحلية دون منافسة.

- تركياً: قطع التواصل بين المناطق التي يسكنها الأكراد، وإفشال (المشروع الفدرالي لمجلس سورية الديمقراطي)، ولإظهار الصراع في سورية بأنه قومي من جهة، وطائفي مذهبي من جهة أخرى، بغية التخفيف من ضغوط الأزمة الداخلية عن أردوغان، وضمان نجاحه في انتخابات 2019 وتحقيق مشروعه العثماني الإخواني الاستراتيجي التوسعي، والمزمع إعلانه في الذكرى المئوية لقيام الدولة التركية التي ستحلّ عام ،2023 بالحفاظ على ما احتلته من أجزاء مهمة بالنسبة لها من الأراضي السورية حتى ذلك الوقت. 

- أمريكياً: الهدف هو إفشال الطموح الإيراني الاستراتيجي إلى ربط إيران مع العراق وسورية ولبنان والبحر المتوسط من جهة، وتشكيل منطقة آمنة، وذلك حفاظاً على أمن إٍسرائيل من خطر حزب الله والجيش السوري والقوى المتحالفة معه، إضافةً إلى الحصول على مناطق نفوذ في شرق نهر الفرات وشمال شرقه، امتداداً إلى مناطق نفوذها في العراق.

 - إيرانيأً: السيطرة على الهلال الخصيب إن أمكن، وأقلّه الحفاظ على ممرّ يوصلها عبر العراق وسورية، لضمان التواصل لمحورها مع حزب الله في لبنان.

وتلك الأطراف، إضافة إلى أهدافها اللوجستية، تسعى للسيطرة على ممرات أنابيب نقل الغاز المزمع إنشاؤها في الشرق الأوسط وصولاً إلى أوربا، فالكل يلعب لعبته ويمارس دوره كأنهم أوصياء على الشعب السوري ومقدراته، وإدخاله في  جوٍّ من توترات وصراعات طاحنة تستمر لعقود من الزمن، تستثمرها القوى الاستعمارية الكولونيالية وأتباعها الإقليميون والمحليون،  لاستنزاف الخيرات والمقدرات في بلدان الشرق الأوسط التي هي، في الوقت نفسه، سوقٌ رائج لشركات السلاح والأمن، وإعمار ما دمروه بتلك الأسلحة،  وبذلك يزوّدون  خزائنهم بالمال ويحلّون  أزماتهم الخانقة التي يمرون بها، في كل مرحلة من مراحل التطور التكنولوجي لقوى الإنتاج، التي من المفروض أن يرافقها تطور علاقات الإنتاج، بما يحقق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. فهل يعي قادة الشعب السوري بكل مكوناته وأحزابه في سورية هذه اللعبة اللاأخلاقية؟ وهل يتداركون هذا الخطر على سورية وشعبها ومستقبلها، وينقذون بلادهم من الوحوش القادمة لافتراسها؟

إنه سؤال برسم القوى الوطنية الشريفة والحريصة على وحدة سورية أرضاً وشعباً، لأنهم وحدهم المخولون باختيار شكل وآلية إدارة بلدهم عبر حوار وطني سوري سوري، وعلى الأراضي السورية. 

تمت قراءته 66 مرات