العدد:812
تاريخ:25/ 4/ 2018
 

المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد: السياسة الأمريكية العدوانية تعرقل الحل السياسي وتسعى لبسط نفوذها

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

قدّم الرفيق نبيه جلاحج (رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد)، في اجتماع المكتب السياسي للحزب، يوم السبت 24/3/،2018 تقريراً حول آخر مستجدات القضية السورية، ناقشه الاجتماع ووافق عليه بعد إدخال بعض الملاحظات، وأقرّ نشره:

 تتسم الأوضاع السياسية في الفترة الأخيرة باتخاذها طابعاً أشدّ تعقيداً وتوتراً أكثر فأكثر، ليس فقط فيما يتعلق بالقضية السورية، وإنما على النطاق الدولي عموماً، مما سيكون له تأثيره السلبي على مسيرة الحل السياسي المنشود في سورية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية المسؤول الأول والرئيسي عن هذا التصعيد والتوتر، بسبب السياسة العدوانية التي تتخذها الإدارة الترامبية.

فالولايات الأمريكية وحلفاؤها من بريطانيا وفرنسا ودول الخليج سعت، قبل انعقاد مؤتمر سوتشي للحوار الوطني، إلى عرقلة انعقاد هذا المؤتمر بمختلف الوسائل، وبضمنها منع المعارضة الخارجية من حضوره.

تصعيد أمريكي..

بعد انعقاد المؤتمر كثفت الولايات المتحدة جهودها من أجل إجهاض النتائج التي توصل إليها، من خلال التصعيد الميداني من ناحية، الذي تجلى بتوسيع وجودها العسكري في شرق الفرات وزيادة عدد قواعدها العسكرية هناك، وتسليح المجموعات الإرهابية بأنواع جديدة من الأسلحة ومنها المضادة للطائرات. ومن ناحية أخرى ارتفعت وتيرة حملتها السياسية تجاه سورية، فجددت اتهامها باستخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، وبارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الغوطة الشرقية. وذلك كله بهدف خلق الذرائع لتبرير تصعيد عسكري محتمل من قبلها ضد سورية.

ولم تكن الجهود المحمومة التي بذلت في مجلس الأمن من أجل إصدار القرار ،2401 والحملة الإعلامية التي رافقتها، إلا محاولة لعرقلة تقدم الجيش السوري ميدانياً، والحيلولة دون متابعة التوجه نحو حل سياسي. ومع ذلك كان من الممكن لتنفيذ هذا القرار فعلياً أن يلعب دوراً في تعزيز وقف إطلاق النار وتحسين الوضع الإنساني في الكثير من المناطق، مع استمرار مكافحة الإرهابيين، لو أن المجموعات المسلحة التزمت بتنفيذه.

عرقلة الحل السياسي.. وسعي للتقسيم

فالولايات المتحدة وحلفاؤها يحاولون منع سورية وحلفاؤها من إمكانية توفير الأرضية الملائمة للتوصل إلى مثل هذا الحل. وفي جميع الأحوال يمارسون الضغوط كي يفرضوا شروطهم الخاصة وتصورهم لمحتوى وطبيعة أي حل على نحو يضمن مصالحهم وأهدافهم السياسية والاقتصادية في سورية والمنطقة بشكل عام.

كما أن الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سورية لا يخرج عن إطار تحقيق الأهداف المذكورة، لجهة بسط نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي فيها، مما يهدد في المحصلة وحدة الوطن السوري.

ومما يؤكد التوجهات الأمريكية هذه تصريحاتُ وزير الخارجية الأمريكي تيليرسون في كانون الثاني الماضي من أن الجنود الأمريكيين سيبقون في سورية حتى التوصل إلى حل سياسي فيها، وأضاف إن ترامب ملتزم بتغيير النظام في سورية.

وقد سبق لوزير خارجية روسيا لافروف أن أشار إلى أن واشنطن تسعى إلى فرض شكل من أشكال التقسيم في سورية والبقاء فيها أطول فترة ممكنة، وإلى الأبد إن أمكن. كما أكد لافروف قبل أيام أن وجود قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها في شمال سورية يعد مشاركة مباشرة في الحرب فيها. في الوقت الذي ذكرت فيه (الواشنطن بوست) أن الولايات المتحدة تحاول الاتفاق مع السعودية على أن تدفع لها الأخيرة أربعة مليارات دولار مقابل ترسيخ وجودها في سورية وإعادة إعمار المناطق التي تسيطر عليها فيها.

توتر أمريكي ـ روسي وتهديدات متبادلة

وتواترت وتكثفت في الأسابيع الأخيرة التصريحات والتهديدات المتبادلة بين روسيا والولايات المتحدة، فقد هددت ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن في الثاني عشر من هذا الشهر بأن أمريكا ستتدخل في سورية في حال تقاعس مجلس الأمن، وترافق ذلك مع تعزيزات عسكرية أمريكية في جنوب سورية مؤكدة النوايا العدوانية التصعيدية تجاهها.

إلا أن رئاسة الأركان الروسية سارعت على الفور بالتصريح بأنها سترد في حال تعرض دمشق لضربة صاروخية أو تعرض قواتها للخطر، وأنها ستفتح النار ليس على الصواريخ الأمريكية وحسب بل وعلى حواملها من مدمرات وطائرات. وأعقب ذلك بعد ساعات قليلة تصريحات لافروف التي حذر فيها واشنطن من (عواقب وخيمة جداً لأي ضربة يحتمل أن توجهها ضد الحكومة السورية). وتبع ذلك بأيام ما ورد من الأركان الروسية من أن الولايات المتحدة تحضّر لتوجيه ضربة ضد أهداف حكومية روسية باستخدام الصواريخ المجنحة.

ومع ذلك لا بد أن نلاحظ أن الأهداف الأمريكية أوسع نطاقاً من المجال السوري ذاته، ذلك أنها تسعى، من خلال تدخّلها في سورية، الذي بدأ أصلاً ويستمرّ خارج إطار الشرعية الدولية، تسعى إلى مجابهة روسيا ومنعها من الظهور قطباً آخر ذا تأثير وفاعلية على الساحة الدولية، وخاصة بعد أن تمكّنت روسيا، على أساس الدور السياسي والعسكري الذي أدّته في سورية من أن تغدو اللاعب الأساسي في الصراع الدائر حولها.

انسجام أمريكي إسرائيلي سعودي

كما تعد الولايات المتحدة عدوانها على سورية الساحة الرئيسية اليوم في حربها ضد إيران، ومنعها من إقامة حلف يشملها والعراق وسورية والمقاومة، ويقطع عليها الطريق للتواصل البري مع هذه القوى. مما يعد في الوقت ذاته ـ وهو الأهم ـ دفاعاً منها عن إسرائيل وحماية لأمنها في المنطقة. ولابد هنا من التذكير وتأكيد الانسجام في المواقف الأمريكية والإسرائيلية والسعودية تجاه إيران.

صفقة القرن أيضاً..

هذا الانسجام ظهر أيضاً في السعي الأمريكي لتحقيق صفقة (القرن) تحت ذريعة إنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي، هذه الصفقة التي تتنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وتحوِّل قضيته إلى متر هنا.. ومتر هناك، لكن الشعب الفلسطيني الذي رفض الاتفاقات المنفردة، واختبر ضررها على قضيته المركزية، يقاوم اليوم السيناريو الأمريكي لتصفية حقوقه، ويخرج إلى شوارع المدن الفلسطينية مندداً بهذه الصفقة، ويلتحم في اشتباكات يومية مع قوات الاحتلال.

بوتين: مستعدّون للردّ نووياً!

إن التصعيد السياسي بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا من جهة أخرى، يغدو اليوم أكثر توتراً وخطراً من أي وقت مضى منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء فترة الحرب الباردة. وقد عبرت كلمة بوتين أمام مجلس الاتحاد عن شدة هذا التوتر، بتأكيده استعداد روسيا للرد نووياً في حال اضطرت لذلك. ويصدر مثل هذا القول لأول مرة منذ انتهاء تلك الحرب.

 وتعد حرب بريطانيا الدبلوماسية ضد روسيا، على خلفية اتهام روسيا بتسميم الجاسوس الروسي (سكريبال) جزءاً من الحملة الأمريكية ذاتها ضد الدور الروسي المتزايد على الساحة الدولية. بل إن بعض التحليلات العربية والغربية وصلت إلى درجة تؤكد فيها أن نشوب حرب بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وكذلك بين إسرائيل وإيران يغدو اليوم أمراً شبه حتمي.

صقور اليمين إلى الواجهة

وقد جاءت مؤخراً إزاحة (تيلرسون) وزير الخارجية الأمريكي والمجيء بدلاً منه بـ(بومبيو)-الذي كان رئيساً للاستخبارات،  وبـ(جون بولتون) مستشاراً للأمن القومي، وهما معروفان بميولهما الصهيونية، مؤشراً جديداً على تزايد نفوذ القوى الأكثر يمينية وعدوانية في الإدارة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

وتتجلى العدوانية الترامبية في السياسة الخارجية الأمريكية ليس ضد روسيا والصين وإيران وسوريا وكوريا الشمالية وحسب، بل وتتبدى أيضاً في حربها التجارية والاقتصادية التي تشنها في مواجهة حتى أقرب حلفائها إليها في أوربا، في قضايا مثل المناخ والبيئة واستيراد المعادن والسيارات وغيرها، دفاعاً عن مصالح أكبر الاحتكارات الرأسمالية الأمريكية وخاصة في مجالات الصناعات الحربية والسيارات.

من جهة أخرى، كان لدخول الجيش الروسي ميدان الحرب السورية دور أساسي في تعديل ميزان القوى في الحرب الدائرة فيها، وتحقيق الانتصارات العسكرية التي تحققت على داعش والمجموعات المسلحة الإرهابية الأخرى المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها وتركيا ودول الخليج، علماً أن هذا التدخل جاء بناء على طلب الدولة السورية نفسها ووفق القانون الدولي.

لجنة الدستور.. تباين الآراء

وتمكنت روسيا مع الصين من إحباط أي محاولة لاتخاذ قرارات من مجلس الأمن تبرر التدخل العسكري الأجنبي فيها، وهي تعمل بشكل حثيث من أجل التوصل إلى حل سياسي في سورية. وقد صرح بوتين في 28 من شهر شباط المنصرم أن التسوية في سورية تتعلق بالأطراف المتنازعة وبالرغبة الداخلية لتحقيق التسوية والحفاظ على وحدة الأراضي وسيادة البلاد، وأن موسكو ستسعى إلى إطلاق العملية الدستورية.

وتحاول روسيا بهذا الصدد تحويل ما نجم عن مؤتمر سوتشي إلى نتائج ملموسة. وقد عقد وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا اجتماعا لهم في (أستانا) في السادس عشر من الشهر الجاري تمهيداً لانعقاد مؤتمر قمة لرؤساء الدول الثلاث في اسطنبول في الرابع من شهر نيسان المقبل. وقد بحث اجتماع أستانا قضايا تتعلق بالمعتقلين والمختطفين، وأكد في الوقت ذاته الالتزام بمحاربة (داعش) و(النصرة)، والحفاظ على سيادة سورية واستقلالها ووحدتها. كما اعتبر لافروف في نهاية الاجتماع أن صياغة الدستور الجديد في سورية يشكل طوراً حاسماً في مسار التسوية السياسية.

ويعدّ التوصل إلى تشكيل لجنة دستورية هدفاً للنشاط الروسي رغم التباينات في الرأي بين الأطراف المختلفة حول ما إذا كان المطلوب هو تعديل الدستور النافذ أم صياغة دستور جديد.

مبادئ أساسية للدستور

أما من جهتنا في الحزب الشيوعي السوري الموحد فقد أعربنا عن وجهة نظرنا في تحديد المبادئ الأساسية التي نرى أنه لا بد أن يتضمنها أي دستور للدولة السورية. وأهم هذه المبادئ: (التأكيد على استقلال الدولة ووحدتها أرضاً وشعباً، وكونها دولة ديمقراطية مدنية علمانية ذات سيادة تامة، وتقوم على التعددية السياسية وتداول السلطة، وحماية التنوع الثقافي للمجتمع السورية بجميع مكوناته، وعلى القيم الإنسانية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان، واعتماد مبدأ المواطنة والمساواة، والفصل التام بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وسيادة القانون، وكذلك الربط بين مفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية).

لقد ساهم التدخل الروسي في سورية في تبديل توازن القوى حتى على الصعيد العالمي بإنهاء مرحلة وحدانية القطب الأمريكي، وكذلك بإعادة الاعتبار للدور الروسي الذي كانت روسيا قد فقدته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. وقد اعتبر بوتين في تصريح له قبل أيام أن انهيار الاتحاد السوفييتي يعدّ الكارثة الجيوسياسية الأكبر في القرن العشرين، ووعد بإعادة الاعتبار لمجد روسيا.

الاستراتيجي والتكتيكي

ومع ذلك من الضروري الإشارة إلى أن التوافق بين روسيا من جهة وسورية من جهة أخرى حول الأهداف الاستراتيجية للدور الروسي لجهة مواجهة قوى العدوان على سورية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وكذلك لجهة الحفاظ على سيادة سورية ووحدتها أرضاً وشعباً، وحق الشعب السوري في تقرير مستقبله دون أي تدخل خارجي، لا ينفي إمكانية وجود التباينات حول بعض الخطوات التكتيكية والتي تظهر أحياناً في هذا المجال أو ذاك، كما يتبدى على سبيل المثال الموقف من العدوان التركي في شمال سورية. وهنا ينطبق الأمر ذاته على العلاقة بين روسيا وإيران. فقد أشار (اللهيان) مستشار الشؤون الدولية في إيران، مؤخراً، أن هناك خلافاً بين روسيا وإيران حول العلاقات مع إسرائيل.

ولكن الأمر الجوهري هو أن معالجة هذه التباينات تجري من خلال الحوار والاتفاق بين جميع الأطراف بغية تحقيق الأهداف الأساسية المشتركة.

العدوان التركي

تتابع تركيا عدوانها وهجومها العسكري على شمال سورية وخاصة على منطقة عفرين التي احتلتها، بعد مقاومة شعبية كبيرة. ويتضح يوماً بعد يوم أن محاولة تبرير عدوانها بالحفاظ على أمنها في مواجهة مجموعات كردية مسلحة تعدها منظمات إرهابية، ليس إلا ذريعة لاحتلال مساحات من الأراضي السورية، في سعي منها لبعث المطامع العثمانية القديمة، وفي الوقت ذاته بغية زيادة دورها وحصتها في أي تسوية سياسية يمكن أن تحصل حول سورية، فضلاً عن توسيع دورها الإقليمي.

ويجب أن لا يغيب عن الأذهان أبداً أن تركيا كانت منذ بداية الأزمة السورية الداعم والممول والمقر والمعبر الرئيسي لجميع المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية. ومما يكشف العدوانية التركية ما نشرته بعض الصحف التركية مؤخراً من تهديدات بأن أي مواجهة للجيش السوري للتدخل التركي ستعني حرباً إقليمية ودولية (عالمية) في سورية، كما حذرت هذه الصحف إيران من التدخل.

وفي الوقت الذي يهدد فيه أردوغان بالتوجه نحو منبج وعين العرب وتل أبيض ورأس العين والقامشلي، يعلن وزير خارجيته أوغلو عن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول منبج وشرق الفرات. كما تشير بعض الأنباء من ناحية أخرى إلى عدم معارضة روسيا دخول قوات تركية إلى منبج، بهدف خروج القوات الأمريكية منها!

إن تركيا تحاول في هذا السياق الاستفادة من الصراع القائم بين روسيا والولايات المتحدة على النطاق العالمي عموماً، وفي سورية خصوصاً من جهة، ومن جهة أخرى الاستفادة من عدم مجابهة أي من الطرفين لهذا العدوان حتى الآن. ولا أدل على ذلك مطالبة تركيا حلف الناتو بالتدخل مباشرة في سورية دعماً لها، مذكرة إياه بدعمها له إبان الحرب في أفغانستان والعراق وغيرها. وإذ تدرك روسيا الأهداف والغايات التركية، فإنها تحاول من جهتها إبعاد تركيا قدر الإمكان عن حليفتها التاريخية الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة، وجرها من جهة أخرى نحو المساهمة في متابعة العمل من خلال اجتماعات (أستانا) على التمهيد لحل سياسي في سورية، علماً أن مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة تربط بين البلدين (منها طائرات س400ـ مشروع مد أنابيب (السيل التركي) للغاز إلى أوربا وبناء مفاعل نووي، وغير ذلك). ومن المعروف أن اجتماع قمة سيعقد بين الرئيسين بوتين وأردوغان أوائل نيسان المقبل، ولا شك أن القضية السورية ستشكل البند الأهم في هذا اللقاء.

إن الاجتياح العسكري التركي لمنطقة عفرين هو عدوان على شعبنا السوري بجميع مكوناته. والتصدي لهذا العدوان هو واجب كل وطني سوري. وقد أدان حزبنا الشيوعي السوري الموحد هذا العدوان بشدة، ونبّه إلى مخاطره، ودعا إلى مواجهته بكل الأشكال.

لقد أبدى أهلنا في عفرين صموداً ومقاومة باسلة دفاعاً عن أرض الوطن السوري، إلا أنه كان من الممكن أن يكون للجيش العربي السوري دور فاعل آخر في التصدي لهذا العدوان، لو أن بعض القيادات الكردية تجاوبت مع متطلبات هذه الفاعلية، غير أن بعض هذه القيادات راهنت مع الأسف على الدعم الأمريكي لها، متجاهلة أن الولايات المتحدة الأمريكية استغلت وتستغل المطامح الديمقراطية والثقافية للجماهير الكردية من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها الخاصة. وهنا نذكر أن المجموعات المعارضة المسلحة (ما يسمى بالجيش السوري الحر) والمدربة والممولة من المخابرات الأمريكية قاتلت في عفرين تحت العلم التركي، كما أن بعض المعارضة السورية الخارجية (الائتلاف) وقف إلى جانب العدوان التركي على الأراضي السورية على نحو صريح وسافر.

إننا نؤكد هنا من جديد أن معالجة بعض المطالب الكردية في سورية تعد جزءاً أساسياً من حل القضية الديمقراطية في البلاد عموماً، وذلك من خلال تطبيق حق المواطنة والحقوق الثقافية لجميع مكونات الشعب السوري، مع الحفاظ على سيادة الوطن ووحدته أرضاً وشعباً.

معاقل الإرهابيين في الغوطة تتهاوى

منذ أن سيطر المسلحون الإرهابيون على الغوطة الشرقية، احتجزوا المواطنين فيها كرهائن ممارسين عليهم جميع أنواع العنف والإذلال والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية. وفي الوقت ذاته عانى المدنيون في أحياء دمشق وريفها طوال سنوات من استهداف هؤلاء الإرهابيين لهم من الغوطة الشرقية بالصواريخ والقذائف. فأقلقت راحة السكان الآمنين، وسقط الألوف من الضحايا بين شهداء وجرحى. وأصيب الكثير من الممتلكات العامة والخاصة بأضرار جسيمة. وقد آن الأوان للقضاء على هذه البؤرة في خاصرة دمشق العاصمة. وكان أن بدأت الحملة العسكرية لتنظيفها نهائياً من هؤلاء الإرهابيين، فأخذت معاقلهم تتهاوى واحداً تلو الآخر، حتى بات من المحتمل الإعلان عن تحرير كامل الغوطة الشرقية خلال أيام إن لم نقل ساعات.

إن تحرير الغوطة الشرقية يعد انتصاراً جديداً يحققه الجيش العربي السوري وحلفاؤه في حربه ضد الإرهاب وداعميه، لا يقل أهمية عن ما تحقق سابقاً من تحرير حلب ودير الزور وغيرها، مما سيفتح في المجال للتوجه ميدانياً نحو مناطق أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها، للقضاء على بؤر أخرى للمجموعات الإرهابية المسلحة وقوى العدوان الخارجي الأمريكي والتركي كذلك، مما سيكون له الأثر الكبير في التمهيد لفرض التسوية السياسية التي ينشدها شعبنا السوري.

وعلى ضوء كل ذلك يمكننا أن نستنتج أنه، وعلى الرغم من الانتصارات التي حققها شعبنا وجيشنا في مواجهة داعش والنصرة والمجموعات الإرهابية المسلحة الأخرى، فلا يلوح حتى الآن في الأفق ما يشير إلى قرب انتهاء الحرب في سورية وعليها، هذه الحرب التي تحولت منذ سنوات إلى حرب إقليمية ودولية بامتياز، وتخاض اليوم بالأصالة بين دولها بعد أن مورست بالوكالة عنها خلال تلك السنوات. وإن القوى المعادية لسورية التي استغلت واستفادت من جوانب الخلل في الأوضاع الداخلية من النواحي الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية، في عدوانها المبيّت أصلاً على سورية ستتابع حربها ضدها بجميع الوسائل الأخرى المتاحة لها.

إعادة إعمار ونفط وغاز.. الصراع سيحتدم أكثر

إن العديد من الميادين والمعارك لهذه الحرب ستستمر حول سورية، وربما ستأخذ طابعاً لا يقل حدّة وضراوة من التي جرت حتى الآن، وأهمها الصراع حول استخراج واستثمار النفط والغاز المكتشف في حوض الساحل السوري في البحر الأبيض المتوسط، وكذلك حول إعادة إعمار ما هدمته الحرب في سورية، وخاصة ما يتعلق منها ببناء البنية التحتية من طرقات وجسور وسكك حديد وصوامع ومصاف وطاقة كهربائية وغير ذلك.

كما أن الحرب الداخلية ستستمر وتتصاعد أكثر فأكثر حول مستقبل سورية وآفاق تطورها الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي.

الإصلاحات بطيئة جداً

إن ما ينبغي قوله اليوم هو إن الإجراءات الحكومية المتخذة على الصعيد الداخلي وخاصة في محافظتها على هيكلية الدولة ومؤسساتها الرئيسية، في ظروف الحرب والعدوان والحصار، رغم أهميتها، لا تتناسب حتى الآن مع الإنجازات التي تحققت على الصعيد الميداني العسكري، وحتى على صعيد السياسة الخارجية بشكل عام، ولم ترتق هذه الإجراءات والتدابير بعد إلى الحد الضروري لتلبية حاجات الجماهير الشعبية.

 فلا تزال الإصلاحات السياسية الداخلية بعيدة عن متطلبات التطور المطلوب. فجوانب عديدة من الدستور السوري لا تزال حبراً على ورق، فرغم النص فيه على وجوب تعديل جميع القوانين والأنظمة السابقة له بما يتناسب مع نصوصه خلال ثلاث سنوات من تاريخ نفاذه، فإن قوانين أساسية تستمر باقية على حالها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر قوانين الأحزاب والإعلام والانتخاب والاستملاك والجنسية والأحوال الشخصية.

فمشروع قانون الاستملاك مثلاً لا يزال في أدراج مجلس الوزراء بعد أن أعاده له مجلس الشعب منذ عدة سنوات. ومشروع منح المرأة السورية حقها في منح الجنسية لأبنائها بالنص على أن (السوري هو كل من ولد من أب سوري أو أم سورية) يبقى منسياً دون أي مبرر رغم مخالفته للدستور السوري الذي ينص على المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الانتماء الإثني أو الديني أو الطائفي أو الجنسي أو الحزبي.

وبدلاً من تشجيع وتوسيع الصحافة الحزبية وخاصة لأحزاب الجبهة، حُرمت هذه الصحف من الدعم الذي كانت تحظى به قبل سنوات.

وتستمر حملات الاعتقال والتوقيف الكيفي لمعتقلي الرأي سنوات طويلة دون محاكمة، مما يتطلب إنهاء هذا الملف وإطلاق سراح جميع المعتقلين الذين لم يحملوا السلاح ولم يرتكبوا جرائم إرهابية. فمن غير المفهوم أن يستفيد من العفو كثيرون من الذين حملوا السلاح وقاتلوا في بعض المناطق، بينما تستمر حالات الاعتقال لأسباب سياسية محضة.

إن تحقيق الانفراج السياسي الداخلي بجميع جوانبه ومتطلباته غدا أمراً لا بد منه بغية القضاء، أو على الأقل إضعاف البيئة الحاضنة للمعارضة السلفية التي تشكل الحاضنة للمجموعات الإرهابية المسلحة.

الفجوة الطبقية تزداد اتساعاً والفساد يستشري

ويدخل في مجال محاربة هذه البيئة أيضاً على نحو أساسي ووثيق الاهتمام الجدي بالقضايا المعيشية للجماهير الشعبية، إذ تزداد اتساعاً الفجوة الطبقية بين الأثرياء ومظاهر بذخهم الفاضح، ومعاناة الناس الكادحين. فالجماهير تنوء تحت ثقل الهوة بين الأجور الهزيلة والأسعار الملتهبة. وتتسع دائرة البطالة على نحو يشمل غالبية الشباب وبضمنهم خريجو الجامعات.

كما أن بعض القوى والأوساط في سورية استغلت ظروف الحرب المشتعلة لمراكمة الثروات ولنهبها لشعبنا، من خلال استشراء الفساد والإفساد في مختلف المجالات وبشتى الوسائل والأساليب، وذلك على حساب صمود شعبنا وصبره وتضحياته وبطولات جيشنا ودماء الشهداء.

إن حيتان الأزمة وتجار الحروب هؤلاء ليس لهم مصلحة في انتهاء هذه الأزمة. بل على العكس إنهم يسعون بكل قواهم لاستمرارها أطول فترة ممكنة، لتحقيق المزيد من النهب والثروات. وتشكل هذه القوى في المرحلة الحالية خطراً على مصير شعبنا ومستقبله لا يقل عن خطر المجموعات الإرهابية ذاتها، مما يتطلب اتخاذ أشد التدابير حزماً وجدية في محاربتهم.

ومن الطبيعي أنه كلما تحررت مناطق جديدة وخرجت من تحت سيطرة المسلحين وعاد إليها الأمن والاستقرار، ازدادت الأعباء المترتبة على الدولة من أجل إعادة تأهيل هذه المناطق بما يجعلها صالحة ومناسبة لعودة أهاليها من ملايين المهجرين سواء من داخل سورية أم خارجها. وكذلك زيادة الاهتمام بقضايا المفقودين، والجرحى والمعاقين.

ومن المؤكد أنه لا يمكن تبرير استمرار الجوانب السلبية في الأوضاع الداخلية بظروف الحرب الدائرة ضد شعبنا أو الحصار الاقتصادي الخارجي حول سورية. بل إن هذه الحرب تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى اتخاذ التدابير الجدية لتلافيها.

إن مجابهة الجوانب القاتمة المذكورة في الأوضاع الداخلية، والقيام بإصلاحات سياسية ديمقراطية واقتصادية واجتماعية جذرية هو واجب وطني لا يقل أهمية وضرورة عن مجابهة قوى الإرهاب والعدوان.

تمت قراءته 218 مرات