العدد:799
تاريخ:17/ 1/ 2018
 

دور الميليشيات الإرهابية في حروب القرن الحادي والعشرين

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

تعد الحروب بمختلف أشكالها وصنوفها من أسوأ الكوارث التي تصنعها البشرية، لأن من يرسم خططها ويحدد أهدافها، يتجاهل ما تسببه من أضرار وخسائر مادية وإنسانية، علاوة على تأثيرها الاجتماعي والنفسي الذي يحتاج إلى وقت طويل حتى يتلاشى..كما أنها تتخذ أشكالاً متعددة، فتكون تارة حرباً عسكرية، وطوراً حرباً اقتصادية وفكرية وثقافية وإعلامية ونفسية، ولكن أشد هذه الحروب خطراً وأعظمها تأثيراً على الإطلاق، هي الحروب الفكرية، ذلك أن التوجه الفكري له فاعلية كبيرة في الصراعات، لأنه يُرسي قواعد أو منصات الإطلاق لإبادة حضارة أجيال بكاملها، ولتمزيق المجتمعات، وتفتيت وحدها، وخلق هوة سحيقة يصعب ردمها خلال سنوات طويلة.

إن الحرب الفكرية، هي حرب خفية وسلاحها سري يغزو الأذهان والعقول، ويتغلغل في السلوكيات، والهزيمة فيها لا يعقبها قيام إلا بعد وقت طويل، على العكس من الحروب العسكرية التقليدية المعلنة التي يتوقف السلاح فيها بعد انتهائها.

 نأتي الآن إلى حروب الإرهاب الحالية ودورها في الحاضر والمستقبل.

نشرت صحيفة الاتحاد الإماراتية في عددها الصادر يوم 26 تشرين الأول لعام 2017 حواراً مع الدكتور فيصل عبيد العيان، نائب رئيس أكاديمية (ربدان)، تحدث فيه عن دور الميليشيات الإرهابية في حروب المستقبل، ركز فيه على المخاطر التي ستواجه العالم، خاصة البلاد العربية والإسلامية في مواجهة مثل هذا الصراع، مبيناً أن دور هذه الميليشيات في هذه الحروب سيكون أكثر خطراً، لأن الأعداد الموجودة منها حالياً تفوق بكثير أعداد الدول العربية، وهي موزعة على معظم الدول العربية، بهدف تهديد الاستقرار فيها وتحويلها إلى دول فاشلة.

ويؤكد الدكتور العيان أن هذه الميليشيات قادرة على تدمير مجتمعات بأسرها، ولديها منظومة مالية ضخمة تختلف عما كان لدى تنظيم القاعدة الذي كان يعتمد على المتعاطفين والمتبرعين، إذ لديها خطوط متعددة للتمويل (نظام ضريبي، وسبايا، وتجارة غير أخلاقية، وبيع للنفط، وأساليب للاستيلاء على البنوك، وتجارة بالآثار، علاوة على دعم من بعض الدول ورجال الأعمال، وخوض حروب بالوكالة تكون مأجورة أيضاً)، كما أن لديها القدرة على إثارة خوف المجتمعات، وعلى عبور الصحارى والمحيطات.

ولديها أيضاً أذرع وأسماء مختلفة، وهي تقوم بتجنيد الشباب بشكل مستمر، ولديها أجيال جديدة أكثر تطوراً وعنفاً، وإمكانيات تكنولوجية وقدرة على اختراق وسائل التواصل الاجتماعي، وتستخدم هذه الشبكات لشن حروبها الكلامية وإثارة العنف في المجتمعات، وتجنيد الأتباع لها، مستخدمة وسائل متعددة أهمها: الطرق الناعمة والدعوات العاطفية العادية، واستغلال مشاعر السخط الاجتماعي والاقتصادي في مجتمعات معينة، خاصة لدى الشباب الذي لا يجد فرصة للعمل والعيش الكريم.

لا شك في أن هذا الدور الخطير الذي تحدث عنه الدكتور فيصل العيان وأمثاله، يحتم على الدول العربية الانتباه لخطر الميليشيات الإرهابية هذه، ووضع استراتيجيات مدروسة ودقيقة، أمنياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وسياسياً وعسكرياً، للتعامل الفعال مع خطر هذه الميليشيات التي تعمل لتنفيذ أجندات أجنبية، وذلك قبل أن يستفحل هذا الخطر في المجتمعات والدول العربية، لأن خطورتها تكمن قبل كل شيء في اعتناقها فكرة العنف أساساً لرؤيتها وأسلوباً لتحقيق أهدافها المرسومة بدقة من قبل أسيادها ورعاتها ومموليها.

والجدير بالذكر أن هذه الميليشيات المسلحة لديها قواسم مشتركة وارتباطات كبيرة مع عصابات الجريمة المنظمة والمافيات العالمية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية والإقليمية، وتعتمد على اتباع الأسلوب المسلح والعنف أساساً لتوجهاتها الإيديولوجية، وتستغل الدين لصالحها، مدعية أنها على صواب وغيرها على خطأ.

ووفقاً لما تحدث عنه الباحث سمير عطاس (رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات)، فإن هذه التنظيمات والميليشيات الإرهابية المسلحة تستخدم وحدات خاصة للإعداد الفكري لتغيير معتقدات أعضائها جذرياً، بما يتناسب مع لغة القتل والعنف والرعب التي تستخدمها، كما تستغل النزعة الدينية والمشاكل التي يعانيها الأشخاص المستهدفون بالاستقطاب من جانبها، وتستثمر الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية والدينية، وتركز القيادات فيها على (مرحلة الإعداد) والتي يؤخذ فيها بالحسبان المستوى التعليمي والفكري والثقافي للشخص، ووضعه الاقتصادي والاجتماعي، وموقفه من الآخر، ومدى استعداده للقبول أو الرفض.

كما تستغل هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة الظروف المادية والنفسية والجنسية للعنصر الذي يكون في مرحلة الإعداد والتدريب، ويتم إغراؤه بالوعود بالجنة والحور العين، وفي ذلك الأثناء أيضاً يتم تأهيل المتطوع نفسياً وجسمياً للقيام بأشد أعمال العنف والقتل والذبح والاضطهاد واستحلال الحرام من دون أي شعور بالذنب وبدم بارد.

أخيراً لابد من التذكير بأن العديد من الدول العربية والإسلامية عانت وماتزال من أعمال وجرائم هذه الميليشيات الإرهابية المسلحة، وتحملت خسائر كبيرة وباهظة، بشرياً ومادياً واقتصادياً، تقدر بمئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى ما أصاب مجتمعاتها وبينتها التحتية من حالات الفقر والبطالة والتضخم، وما تعرض له نسيجها الاجتماعي المتآلف من زعزعة وتمزق من خلال نمو المشاعر العرقية والطائفية والمذهبية التي لم يكن لها وجود يذكر.

تمت قراءته 256 مرات