العدد:799
تاريخ:17/ 1/ 2018
 

حول الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

أخيراً حصل ما كان متوقعاً، مع إعلان الرئيس الأمريكي ترامب اعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وقراره نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها.

لقد شكلت هذه الخطوة الأمريكية استفزازاً كبيراً للشعب العربي الفلسطيني، وللعرب عامة، بل هي أكثر من استفزاز، وتصل إلى درجة التحدي والاستهتار واللامبالاة بالدول العربية كافة، وبمشاعر الجماهير العربية، إلا أن هذه الخطوة أيضاً لاقت إدانات دولية كبيرة وشاملة، لأنها من حيث الشكل والمضمون مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، ومنها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة من قل إسرائيل بقوة السلاح لا يجوز التصرف بها بمعزل عن أصحابها الشرعيين.

والسؤال: ما الذي سيبقي ليتفاوض الفلسطينيون حوله برعاية أمريكية بعد هذا الاعتراف الشنيع والإجرامي؟ وإذا ما عدنا إلى قرار التقسيم الجائر الذي على أساسه قام الكيان الصهيوني، فقد نص على تقسيم القدس إلى شطرين اثنين، شطر غربي يكون تحت سيطرة إسرائيل، وشطر شرقي يكون تحت إدارة عربية تمثلت آنذاك بالأردن، لتعذر قيام الدولة الفلسطينية في ذلك الوقت، علماً بأن هذا الشطر الشرقي هو الأم لاعتبارات تاريخية وثقافية ودينية وغيرها.

شيء مهم آخر وهو أنه عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس في عدوان حزيران عام 1967، ثم أعلنت لاحقاً ضمها إليها على أن تكون العاصمة الموحدة لها، رفض المجتمع الدولي ذلك الضم، بما في ذلك الإدارات الأمريكية التي تعاقبت على البيت الأبيض في واشنطن منذ ذلك التاريخ حتى الآن (أي قبل إعلان ترامب الأخير)، رغم أن كل إدارة منها كانت تزايد على سابقتها في ممالأة إسرائيل ودعمها عسكرياً واقتصادياً ومالياً وسياسياً، والانحياز إلى مواقفها، الأمر الذي استغله قادة الكيان الصهيوني في التمادي في المشروع التوسعي الاستيطاني واحتلال أراض عربية جديدة غير الأراضي الفلسطينية (احتلال الجولان السوري ومزارع شبعا في لبنان)، علاوة على القضم المستمر لأراضي الضفة الغربية عبر الاستيطان والمصادرة وغير ذلك.

جدير بالذكر أن الإعلان الأمريكي عن هذا الاعتراف لم يكن مفاجئاً، بل جرى التحضير له، فقبل صدوره تسربت أنباء عن مصادر أمريكية مطلعة بأن هذا الأمر كان على طاولة ترامب يدرسه مع مستشاريه المقربين، وأن مسألة الاعتراف جدية للغاية، بدليل أن البيت الأبيض أوعز لسفرائه في الدول ذات الصلة للقيام بعمليات (جس نبض واستطلاع) حول التداعيات وردود الفعل المتوقعة أو المحتملة، ولكن لم يطل الوقت حتى صدر هذا الإعلان، على لسان الرئيس الأمريكي ترامب بالذات، بعد أن كان قد اتصل برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبالرئيس المصري والملك الأردني والسعودية، لإبلاغهم بعزمه على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وللعلم، فإن هذا القرار الأمريكي هو من بنود (صفقة القرن) التي تتحضر الولايات المتحدة لإطلاقها، ومن ضمنها جاءت الحملة على منظمة التحرير الفلسطينية ومكتبها في واشنطن، كما أنها تضمنت تصورات وأفكاراً تستبعد حق العودة للفلسطينيين وأي سيادة للدولة الموعودة، بمعنى آخر تنسجم هذه الصفقة تماماً مع الأهداف الإسرائيلية مئة بالمئة.

والسؤال الأكثر أهمية: ما هو الرد العربي على هذا الاعتراف؟

فلسطينياً استنكرت السلطة الفلسطينية هذا الإعلان، مؤكدة أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة المنتظرة، وأن الولايات المتحدة لم تعد مؤهلة لدور الوسيط في عملية السلام، كما أعلنت رفضها لاستقبال نائب الرئيس الأمريكي في رام الله، وطالبت باجتماع لما تسمى زوراً بالجامعة العربية لمناقشة الموضوع، وهي ردود غير فعالة بالتأكيد.

إلا أن الرد الشعبي الفلسطيني كان لافتاً وفعالاً، فقد عمّت التظاهرات على مدى يومين كل مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصلت صدامات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية، ما أدى إلى سقوط شهداء فلسطينيين، وجرح أكثر من 1300 فلسطيني، ومازالت هذه التظاهرات والاحتجاجات قائمة.

أما على الصعيد العربي الرسمي، فكان الرد (باهتاً)، تجسد في بيانات وتصريحات من باب (رفع العتب) كما يقال، مع انعقاد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة. ولاشك بأن هذا الموقف (الباهت) وغير المسؤول- باستثناء الموقف السوري- لا تفسير له إلا (التواطؤ أو العجز)، أو كلاهما معاً، ما يدل على أن العديد من الدول العربية مثل مصر والسعودية وقطر والأردن والإمارات العربية والبحرين وغيرها قد حزمت أمرها باتجاه المضي مع ترامب لتنفيذ (صفقة القرن)، وتخطي كل الخطوط الحمراء والسير في مشروع تصفية قضية فلسطين وفقاً لما تريده إسرائيل.

إلا أن الرد الجماهيري العربي كان لافتاً من خلال المظاهرات التي شهدتها عدة عواصم ومدن عربية، والتي كان أضخمها وأكبرها في دمشق، علاوة على المدن السورية الأخرى، كذلك قامت اعتصامات وتظاهرات ضد هذا الإعلان الأمريكي في العديد من الدول الأجنبية.

بقي أن نقول إن ما دفع ترامب إلى هذا الاعتراف عوامل عدة بينها الانقسام الفلسطيني بين غزة ورام الله، وما يعانيه الوضع العربي من انقسامات وحروب طوائف ومذاهب عصفت بالمنطقة العربية في ظل ما يسمى زوراً (الربيع العربي) الذي ابتدعته أمريكا وإسرائيل وتركيا بالتنسيق مع عملائهم من الحكام العرب في السعودية وقطر، وفي ظل الاصطفافات التي تعمل عليها الأسرة السعودية ضد إيران تحت مسمى (التهديد الإيراني المزعوم).

تمت قراءته 326 مرات