العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

واشنطن تستعد لإثارة نزاعات وحروب جديدة بعد هزيمة داعش

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

يبدو أن المنطقة باتت أكثر قرباً من إغلاق ملف داعش (دولة مزعومة، وخلافة مزيفة، ومناطق تحت السيطرة المسلحة)، ولكن في الوقت نفسه، الملاحظ من خلال الممارسات الأمريكية والأوساط الحليفة لها، أن المنطقة ما بعد داعش تتحضر لسلسلة من الحروب والصراعات والفتن المتناسلة، وذلك من أجل ملء فراغ داعش الإرهابي، وستكون هذه الصراعات والحروب أشد ضراوة ودموية من المعارك التي جرى خوضها ضد هذا التنظيم الأكثر إجراماً في التاريخ الحديث للمنطقة والعالم أجمع.

- وعلى سبيل المثال، من الواضح أن الصراع الأمريكي – الإيراني يحتدم بعد استفزازات واشنطن المتكررة لإيران، ونواياها للتنصل من الاتفاق النووي مع إيران، تحت ضغوط إسرائيل والسعودية بشكل خاص، وعلى هذه الأرضية تسارع واشنطن إلى فتح ملف ما تسميه (الميليشيات الإيرانية)، وهي تطالب بحلّها وإخراجها من سورية والعراق، بزعم أن الحرب على داعش وضعت أوزارها.. بالطبع هذا الموقف الأمريكي يلتقي بمواقف محور السعودية، فضلاً عن إسرائيل، وسيكون له تداعيات خطيرة ستظهر آثارها الجسيمة على الداخل السوري والعراقي، إن لم يكن على نحو فوري، ففي المدى القريب على أبعد تقدير.

- أما تركيا، فلها في ظل حكم أردوغان أطماعها في سورية والعراق على حد سواء، وهي إذ تبدي قدراً كبيراً من التناغم مع بعداد ولاسيما بعد استفتاء كردستان، إلا أنها لا تكنّ الود للعراق، ومازالت تظهر العداء الشديد لدمشق.. فدخول الجيش التركي إلى عمق الأراضي السورية عبر ما تسمى (عملية درع الفرات)، ودخوله مؤخراً إلى إدلب وشمال حلب أمر بالغ الخطورة، وبالتالي فإن سورية لن تسكت عن ذلك وتحتفظ لنفسها بحق الرد على هذا الاحتلال التركي البغيض، كذلك يمضي أردوغان في تقطيع أوصال أي كيان كردي قد ينشأ على حدود تركيا الجنوبية، وهذه مسألة ستؤدي إلى نزاعات وتحالفات وصراعات شديدة التعقيد.

- السعودية التي خرجت من الأزمة السورية من بوابة فشل المعارضات التي احتضنتها وراهنت عليها، تحاول العودة إلى سورية من خلال ما تسمى (قوات سورية الديمقراطية)، ذلك أن الجنوب السوري الذي استثمرت فيه لم يعد مواتياً للرياض، ولا حلب والشمال السوري بات ملعباً للقوى المؤيدة لها.. هذا مع العلم أن اقتراب السعودية من أكراد سورية قد يؤدي إلى صراع (مضمر أو علني) مع أنقرة، وهذا أيضاً سيعقد ملف العلاقات الخليجية التركية، وسيصب المزيد من النار على نار الأزمة الخليجية التي مازالت محتدمة، بالنظر إلى تحالف تركيا الوثيق بمحمية قطر، فضلاً عن ذيول أخرى لا أحد يعلم بها حتى الآن.

- بالنسبة للعراق، قبل أن يتحقق القضاء النهائي على داعش هناك ودك معاقله، اندلعت موجة صراع غير مسبوق منذ زمن الراحل صدام حسين بين العراقيين والأكراد بعد استفتاء البرزاني، كادت أن تقود إلى إراقة شلالات من الدم لولا التدخل الإيراني الإيجابي الذي ترافق مع تحرك حكومة بغداد، ما أدى إلى تجنب النزاع المسلح، إلا أن الباب مازال مفتوحاً أمام إمكانية تجدد الصراع واتخاذه أشكالاً أكثر حدة ودموية.. الأكراد في العراق أرادوا أيضاً ملء فراغ داعش في المناطق التي استعادها، إلا أن حكومة بغداد كانت لهم بالمرصاد وأفشلت مخططهم هذا.

إلى جانب ذلك، تعمل واشنطن في العراق من جديد على إذكاء وإحياء ملف الصراع السني – الشيعي، عندما دفعت بعض عملائها إلى محاولة القيام بدور الوسيط في الخلاف الذي نشب بين حكومة بغداد وإقليم كردستان على إثر الاستفتاء المعروف، إلا أن التحرك السريع والفعال للعراق أغلق ملف الوساطة هذا، الذي كان ملغوماً، أغلقه بحنكة ومهارة وحزم في الوقت نفسه.

- وبالتوازي مع الأحداث التي جئنا على ذكرها، تحركت فئات من أكراد سورية في محاولة للقيام بدور مماثل لدور جماعة البرزاني، فقد ملؤوا فراغ داعش على مساحة واسعة من الأراضي السورية، وهم يتمددون يوماً بعد الآخر، ويسارعون الخطا للوصول إلى منابع النفط والغاز الغنية في  البادية السورية الشرقية، حتى أن عيونهم على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، كل ذلك قامت به هذه الفئات الكردية بدعم أمريكي، لأن واشنطن لا تريد إخلاء الساحة السورية لروسيا حسب مخططاتها، وتسعى أيضاً إلى تثبيت حصة لائقة لها ولعملائها وحلفائها في سورية.

- كذلك إيران التي دعمت سورية والعراق دعماً لا حدود له في محاربتهما للإرهاب، ودفعت أفدح الأثمان، وقدمت المال والسلاح من أجل ذلك، لا يمكن أن تخضع للإملاءات والتهديدات الأمريكية، ولا لتحجيم دورها في المنطقة، ولن تسمح لواشنطن وعملائها بالحد من تأثيرها في المنطقة ومقاومة محاولات استهدافها.

خلاصة القول.. إن المرحلة ما بعد القضاء على تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة لا يبدو أنها ستكون أقل حدة وتفاقماً وصراعات ربما تكون دموية، ويقدر العديد من المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين أن المنطقة ستمضي في حالة توتر وعدم استقرار حتى إشعار غير معلوم، هذا إذ لم تنشأ صراعات جديدة في دول ومجتمعات أخرى في المنطقة، في سياق دائرة الفوضى غير البناءة التي تعمل واشنطن وعملائها وحلفائها على توسيعها والاستثمار فيها.

تمت قراءته 83 مرات