العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

قراءة في ظاهرة (الانقسامات والأقاليم المتمردة)

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

في الوقت الذي أجرى فيه إقليم كردستان استفتاء غير شرعي، وحتى مخالف للدستور العراقي (البريمري) الأمريكي تمهيداً للانفصال عن الوطن الأم (العراق) وسط معارضة عربية ودولية واسعة وحتى معارضة من فئات من الأكراد أنفسهم، أصبح من الضروري التحدث عن مسألة الأقليات والأقاليم المتمردة في أماكن مختلفة من العالم، حيث تبرز مشكلة إفراز هوياتي تقود إلى تمرد بعض القوميات عن دولها الأم.

وعلى سبيل المثال، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس النيجيري محمد بخاري عن رفضه المطلق للمطالب الانفصالية في جنوب شرق البلاد، وتحديداً في المنطقة بيافرا ودلتا النيجر، كانت الشرطة الكاميرونية تطلق الرصاص الحي ضد عناصر حركة أمبازونيا التي تطالب بانفصال المناطق الناطقة باللغة الإنكليزية عن المناطق الناطقة باللغة الفرنسية، مخلفة أكثر من عشرة قتلى وجرحى آخرين.

كذلك أجرى إقليم كاتالونيا في إسبانيا استفتاء للانفصال عن مدريد، استخدمت فيه الشرطة الإسبانية القوة المفرطة ضد المصوتين، ما أدى إلى سقوط المئات من الجرحى.

هذا، وبعيداً عن لغة الأرقام ونسب المشاركة من عدمها، وبعيداً أيضاً عن استقراء أفعال الداخل ودورها في تشجيع مثل هذه التمردات، وكذلك الدور الخارجي الواسع والكبير في استمرار محاولات تمزيق المجتمعات والدول، فإن القراءة العميقة لحال مثل هذه الأحداث والتمردات أصبحت تحتم العودة إلى مسببات ظاهرة الانفصال والانشطار هذه، التي باتت تنسحب على أكثر من دولة في العالم.

حتى الاتحاد الأوربي الذي كان على سبيل المثال يوصد أبوابه ولا يزال أمام انضمام تركيا إلى الاتحاد، بذريعة القصور التركي عن إدارة التنوع الثقافي واللغوي والعرقي، ومعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان كما يراها الغرب من منظوره الخاص، وحرمان أقليات مثل الأرمن من حقوقها الحضارية والرمزية المشروعة، بات هذا الاتحاد يعاني من عدة إشكالات ثقافية وسياسية شائكة، تتجسد في مطلب الانفصال التام عن دولتين مركزيتين على الأقل، إقليم كاتالونيا عن إسبانيا كما أشرنا قبل قليل، واسكتلندا عن بريطانيا.

ولا يستبعد المتابعون لهذه الظاهرة، أن تتزايد دعوات الانفصال والاستقلال في أكثر من دولة، ولاسيما أن إشكاليات كثيرة لا تزال عالقة في إقليم (الباسك)، ولدى أقليات لغوية وإثنية كثيرة في القارة العجوز وفي غيرها أيضاً، حتى أن الولايات المتحدة نفسها لم تسلم من وجود هذه الظاهرة فيه، فأكثر من ولاية طالبت بالانفصال عن الدولة المركزية.

قد يكون من المهم معرفياً في هذا السياق، الإشارة إلى أن أكثر الأمثلة عن الأقليات القلقة والأقاليم التي تطالب بالانفصال من مشرق العالم إلى مغربه، ومن أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، تؤكد أن القصور في إدارة التنوع الثقافي واللغوي والحضاري لا يخص دول الوطن العربي فقط كما تحاول الأوساط الأمريكية والغربية الترويج لهذه الظاهرة وتبريرها، بدليل أن دولاً قومية ديمقراطية غربية عريقة عجزت عن استكمال المنجز الثقافي في تجمعاتها البشرية، كما أن تعدد الأمثلة من الراهن الاجتماعي، يؤكد أن هذا الإشكال غير مرتبط بالهجرة البشرية، من الجنوب إلى الشمال كما تدّعي هذه الأوساط أحياناً كثيرة، فهي قضية ثقافية تاريخية قديمة، وذات علاقة بإثنيات وروافد أصيلة (أي موجودة) في المجتمعات نفسها، ولكن مع تحريضات خارجية ترفدها على الدوام.

إن هذا ما حصل بالضبط في جنوب السودان حين انفصل جنوبه عن شماله، بسبب تخطيط غربي، وفي باكستان وفي كردستان العراق أخيراً وفي إقليم كاتالونيا مؤخراً، هويات إثنية تتمرد على دولها مطالبة بالانفصال التام، ولا شك بأن هذا الأمر خطير للغاية وسيفضي في نهاية المطاف إلى انشطارات وانقسامات لا حدود لها تهدد قيم ومبادئ العيش المشترك بين مختلف مكونات الدولة والمجتمع.

وهنا يبرز السؤال التالي: ما هو الحل؟

- إن أولى مقدمات الحل، جسر الهوة بين مفاهيم التاريخ والذاكرة والهوية الوطنية، وذلك عن طريق تأصيل هوية جامعة لا تطمس معالم التاريخ والجغرافيا، ولا تقفز فوق الحقائق، وتبتعد عن اختلاق الهويات أو اختراق الأوهام.

- الأمر الثاني ضرورة تصحيح علاقة الهوية بالدولة، فليس من الضروري أن تكون الهويات لبنة للدولة المستقبلية.

- الفصل بين الدولة باعتبارها دولة المواطنة بالدرجة الأولى، والهويات الإثنية كعنوان ثقافي واجتماعي وحضاري لتكون الدولة للجميع.

- التصدي للمؤثرات الخارجية التي تعزف على وتر زعزعة استقرار الدول لتسهيل عملية تفكيكها والهيمنة عليها.

- السعي المتواصل نحو بناء نموذج تشاركي في التعايش بين مكونات المجتمع بعيداً عن التمايز الهوياتي.

تمت قراءته 261 مرات