العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

سياسة أردوغان وتداعياتها على دور تركيا واقتصادها

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

تجاوزت الأزمة القطرية مع كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر حدود الأطراف المتنازعة، لتطول تأثيراتها معظم دول المنطقة، فقد رفضت قطر المطالب الـ13، باستثناء تظاهرها بأنها استجابت للوساطة الأمريكية، عبر عقد أو إبرام اتفاق مع وزير الخارجية الأمريكية تيلرسون يشير إلى استعداد الدوحة للتعاون في محاربة الإرهاب، ويعمق ارتباطها بواشنطن، وقد ذكر مراقبون أن الاتفاق كان بمثابة هروب إلى الأمام من قبل قطر. ومن الأمثلة على تجاوز الأزمة الخليجية حدود الدول المعنية بها مباشرة، هو الموقف التركي منها منذ بداية الأزمة حتى اليوم.

على امتداد الأزمة كانت أنقرة الوجهة الأساسية للتشاور القطري، سواء عبر اتصالات أميرها بأردوغان، أو عبر وزير خارجيتها، أو عبر زيارة وزير الدفاع القطري لتركيا ولقائه الرئيس أرودغان، وقد أكد الجانبان أن مطلب الرباعية إغلاق القاعدة العسكرية التركية الجديدة في الدوحة، انتهاك لسيادة الدولتين، وبالتالي يجب استمرارها وتعزيزها أكثر. كذلك اصطفت تركيا سياسياً وإعلامياً بقوة إلى جانب قطر، والهدف الأساسي من وزراء ذلك هو تدويل الأزمة، وإنقاذ الدوحة من تورطها الكبير في دعم الإرهاب وتمويله.

لا شك في أن هذا الموقف التركي يعزز الشرخ ويوسعه بينها وبين دول الرباعية، ويرسخ صورة تركيا كدولة لها أطماع إقليمية في دول الجوار وفي المنطقة العربية عامة، ويشير إلى حسابات أردوغان الخاطئة في أكثر من مسألة إقليمية.

ولكن في الوقت نفسه فإن التداعيات السلبية للأزمة الخليجية على الاقتصاد التركي لا تقل عن الأضرار التي أصابت الدور التركي في المنطقة عموماً، لاسيما أن الاقتصاد التركي نما وتطور على ضوء تحسن العلاقات السياسية مع دول الجوار، ودول الخليج العربي خاصة.

بعد الصورة الإمبراطورية العثمانية لدور تركيا في المنطقة، ولتعاطيها مع الأزمة الخليجية، بدأت الأصوات تتعالى في الداخل التركي منتقدة الأداء الرسمي الأردوغاني غير العقلاني، وما يمكن أن ينتج عنه من خسائر سياسية واقتصادية تركية. ومن الأمثلة على ذلك:

- لقد نقلت إحدى الصحف التركية المختصة بالشأن الاقتصادي، أن الصادرات التركية إلى السعودية تراجعت في شهر حزيران، أي منذ بدء الأزمة مع قطر بنسبة 38%، وإلى الإمارات بنسبة 25%، وإلى البحرين بنسبة 10%، فيما ازدادت إلى قطر بنسب تقارب الـ50%، كذلك صرح مسؤول في شركة تركية تعمل في السعودية بأن حملة مواطنين سعوديين لمقاطعة المنتوجات التركية بدأت تظهر نتائجها، مؤكداً عدم إمكانية فصل هذا التراجع عن أزمة قطر.

وقد ظهر القلق التركي بشكل أوضح وأكبر في قطاع الإنشاءات والبناء الذي يشكل في السعودية والإمارات نحو 20% من قطاع البناء التركي في المنطقة.

- رئيس مجلس العمل التركي – السعودي قال: إن التأثير في المشاريع الحالية كبير، لكنه سيكون أكبر وأوسع بالنسبة للمشاريع الجديدة الضخمة التي تم الاتفاق عليها.

- رئيس اتحاد المتعهدين الأتراك صرح بأن تركيا كانت تتبع سابقاً سياسات محايدة، ولكن مع ظهور الأزمة الخليجية مع قطر، اتخذت موقفاً منحازاً، وهذا سيؤثر على قطاع التصدير حالياً وعلى المدى البعيد.

- أيضاً رفعت جمعية مصنعي مواد البناء التركية الصوت عالياً، بأن التصدير إلى دول الخليج تراجع وسيتراجع أكثر، وأن نسبة التصدير إلى الأسواق السعودية والإماراتية والبحرينية تشكل 20% من صادرات مواد البناء التركية التي تصل قيمتها إلى 2.4 مليار دولار.

- كذلك رأى رئيس اتحاد مصدري الحبوب والمواد الغذائية ورئيس اتحاد مصدري المفروشات، أن الصادرات التركية في هذين القطاعين انخفضت بشكل ملموس، وأن هناك قلقاً متزايداً من استمرار هذا الانخفاض على المدى المنظور والبعيد.

بطبيعة الحال، لا يمكن فصل الجوانب الاقتصادية عن الجوانب السياسية في الأزمة الخليجية، وبالتأكيد، فإن الشعب التركي يخشى من دور حكومة أردوغان وسياستها، التي أضرت بسمعة تركيا بسبب سياسة مغلوطة ومدمرة أثرت على الاقتصاد التركي بدرجة كبيرة لا يمكن تجاهلها، بدأت تداعياتها السلبية بالظهور بشكل ملموس وواضح، فقد خسرت تركيا الكثير الكثير بسبب تعاملها غير العقلاني مع دول الجوار، وأثناء الأزمة الخليجية تحديداً، وصار الكثير من المواطنين الأتراك يرددون مقولة (إن البادئ أظلم)، ومن (يطرق الباب يسمع الجواب)، وأن أردوغان الذي طرق الأبواب بقوة بدأ يسمع الجواب بقوة، ولكن هذا الجواب ليس في صالح الشعب التركي والدولة التركية، وأن لأردوغان وعائلته وحزبه (حزب العدالة والتنمية) طموحات شخصية بعيدة عن تطلعات الشعب التركي.

باختصار.. إن هذا الاصطفاف التركي إلى جانب قطر بشكل وقح، يأتي جزءاً من عقيدة عسكرية تركية جديدة للتغلغل في الشرق الأوسط عبر قواعد عسكرية أنشأتها تركيا صيف عام 2016 في الصومال، وفي العراق (قاعدة بعشيقة)، إضافة إلى تدخلاتها العسكرية المباشرة في الشمال السوري، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن أردوغان يسعى لأن تكون له أذرع عسكرية متقدمة في قلب المنطقة العربية بغض النظر عن مصالح الشعب التركي.

تمت قراءته 179 مرات