العدد:792
تاريخ:22/ 11/ 2017
 

السياسة الأمريكية... شلل استراتيجي وعجز تكتيكي

قييم هذا الموضوع
(12 أصوات)

أشرنا في مقالة سابقة، في هذه الصحيفة المحترمة، إلى مساعي الولايات المتحدة لتحويل الصراع السوري باتجاهات جديدة، تضمن لها التحكم به عن طريق الإمساك ببعض خيوطه، خاصة بعد إعلان اتفاق المناطق الآمنة، الذي تبين أن سيشكل بداية النهاية في الأزمة السورية.

تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق مصالحها، آليات جيوسياسية قائمة على (إدارة اللااستقرار)، الذي يسمح لها بتمرير مخططاتها وصفقاتها، في ظل انشغال الأطراف المتصارعة فيما بينها.
لذلك فإن من ثوابت السياسة الأمريكية: إبقاء البؤر المنفجرة في حالة توتر دائم، وإشعال بؤر جديدة، تسمح لها بمد أذرعها باتجاهات مختلفة، وبالتالي تنفيذ سياساتها المرسومة. فلا تكاد شعوب منطقة الشرق الأوسط تلتقط أنفاسها في صراع ما، حتى تجد نفسها في أتون صراع جديد.

لقد برهنت السياسة الخارجية السورية، على مدى العقود الأربعة المنصرمة، على مرونتها وثباتها في آنٍ معاً. فالثبات ينبع من التمسك بالثوابت الوطنية في الحفاظ على السيادة والسلامة ووحدة الأراضي السورية، وتتجسد المرونة في آليات وطرق التعاطي مع الصراع وإدارته. فلا أحد يعيش منعزلاً عن باقي العالم، الذي أصبح مجموعة من القوى، المترابطة فيما بينها بشبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية.
وتتجلى عبقرية صانع القرار في فهم آليات تأثير هذه القوى، ومحاولة التأثير في سيرورة الأحداث على قاعدة المصالح المشتركة بين هذه القوى. لقد خرجت سورية منتصرةً في هذا الصراع، وحتى نكون أكثر واقعيةً يمكننا أن نقول بأن سورية عبرت أخطر مراحله، ونحن الآن في طور تلاشي الصراع وانحلاله.
إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية الصراع السوري وتحت دخان معاركه، أشعلت عدة بؤرٍ في سورية نفسها، كما أنها تحاول خلق أزمات إقليمية جديدة. والغاية من ذلك الحفاظ على موطئ قدم، يؤمّن لها القدرة على التأثير في مجريات الأحداث في هذه المنطقة الهامة من العالم.

فعلى الصعيد السوري، أصبحت البؤر، التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ عليها في حالة من التوتر المستمر واضحة المعالم تقريباً، وهي:
الشمال الشرقي وتضم محافظة الحسكة وأجزاء من محافظتي الرقة وحلب،
الشرق السوري أو مثلث الحدود السورية-العراقية-الأردنية،
الجنوب الغربي وتضم محافظتي القنيطرة ودرعا.
سنقوم بمناقشة هذه البؤر واحدةً واحدة:

1-الشمال الشرقي: من المعروف للجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية، تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً وتوفر الغطاء الجوي للقوى الكردية المختلفة. كما أنها أنشأت قواعد عسكرية، في مخالفة واضحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولا تخفي أيضاً مساعيها لإقامة كيان كردي في هذه المنطقة.

من وجهة نظرنا، فإن هذا المشروع سيبوء بالفشل؛ لأن هذا الكيان سيقوم على أرض مقتطعة من عدة دول: سورية، العراق، إيران ، تركيا؛ وبالتالي فإن جميع الدول المحيطة به ستكون متضررة بشكل مباشر أو غير مباشرة. إضافة إلى ما سبق، فإن الشعب الكردي هو المتضرر الأكبر نتيجةً لذلك، إذ إنه سيجد نفسه ضمن بقعة جغرافية معزولة تماماً عن باقي العالم، ومحاطاً بدولٍ معاديةٍ لهذا المشروع، مما سيدخله في صراعات وحروب قد تمتد لمئة سنة قادمة. في الواقع، إن الغاية الحقيقية، لإنشاء مثل هذا الكيان، هي تحويله مستقبلياً إلى أداة ضاربة جيوسياسياً؛ إذ إنه من هذه المنطقة قد تنطلق الخيارات الأمريكية الجديدة باتجاه روسيا عبر القفقاز، واقتصادياً نظراً لغنى هذه المنطقة بالنفط. إلا أن الشعب الكردي، هو جزء من النسيج الاجتماعي لشعوب هذه المنطقة، ونعتقد أن وعي القيادات الكردية والشعب الكردي سيؤدي إلى إجهاض هذا المشروع.

2-مثلث الحدود السورية-العراقية-الأردنية: تحاول الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع الأردن، تحويل هذا المثلث (أي منطقة التنف) إلى منطقة عسكرية كبيرة، والهدف هو قطع التواصل البري، عبر العراق، بين إيران وسورية وصولاً إلى الجنوب اللبناني، حيث المقاومة اللبنانية البطلة، المتمثلة بحزب الله.

في الواقع، من الناحية التكتيكية، فإن الولايات المتحدة عاجزة عن إحداث تغيير ملموس في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة. فبالرغم من محاولتها إيقاف زحف الجيش العربي السوري، بقصف رتلٍ له كان متجهاً باتجاه التنف، وتحذيرها له من الاقتراب من هذه المنطقة، إلا أن الجيش العربي السوري وحلفاؤه تابعوا تقدمهم عبر هذا المحور، ليتحول احمرار الخطوط الأمريكية نحو قواتها المتواجدة هناك. ومن المتوقع أن يتصاعد التنسيق الأمني الروسي- العراقي - الإيراني- السوري حول هذه المنطقة الحيوية الهامة، بهدف إحباط مشاريع الولايات المتحدة الأمريكية.

3-الجنوب الغربي: في الواقع، يرتبط هذا الملف بشكل كبير بملف التنف. لأن الغاية الحقيقية من تحركات الولايات المتحدة في الجنوب السوري هي تفكيك المحور الإيراني- العراقي- السوري- اللبناني، المدعوم روسياً، وبالتالي تأمين الكيان الصهيوني، خاصة بعد الحديث عن بوادر إقامة مشروع مقاومة وطنية في الجولان السوري،
على غرار مشروع المقاومة اللبنانية، ويبدو بأن معالم تشكله بدأت تتبلور، وهذا ما سيشكل ضربة استراتيجية مؤلمة للكيان الصهيوني. لذلك فإن هذه المنطقة شديدة الحساسية، فأي محاولة للولايات المتحدة لتغيير الوضع الراهن ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وقد ينزلق الصراع باتجاه الجولان السوري المحتل. وهكذا فمن المتوقع، أن تكتفي الولايات المتحدة بدعم الجيش الحر الموجود في القنيطرة ودرعا، بتزويده ببعض الأسلحة النوعية ودعمه استخباراتياً، في مواجهة الجيش العربي السوري.

أما على الصعيد الإقليمي، فأثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي إلى السعودية، جرى التوقيع على صفقات تسليحية غير مسبوقة وبمليارات الدولارات، إضافة إلى العديد من الصفقات في مجالات اقتصادية وخدمية كالكهرباء والنفط والغاز والتعدين والرعاية الصحية.
وخلال هذه الزيارة اجتمع عدد من القادة العرب، والهدف المعلن هو تشكيل تحالف لمحاربة الإرهاب، إلا أن العديد من الخبراء يؤكد أن الهدف الحقيقي من هذا التحالف، الذي بات يعرف باسم (الناتو العربي) أو (الناتو الإسلامي) هو مواجهة (الخطر الإيراني المفترض).
في الواقع، إن صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية يدركون جيداً خطورة العبث في هذا الملف، على مصالحهم ومصالح حلفائهم الإقليميين، فإيران تشكل قوة هامة، قادرة على التأثير في العديد من ملفات المنطقة. كما أن إيران ترتبط بعلاقات صداقة قوية مع العديد من دول العالم المؤثرة كروسيا والصين ومجموعة البريكس، والتي قد تتأثر بدورها بزعزعة الوضع الراهن غير المستقر أصلاً، لذلك فإن إثارة أزمة جديدة معها، قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة.
وهكذا فستضطر الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل، ومن خلفهما (الناتو العربي) إلى اللجوء إلى استراتيجية (النفس الطويل) و(توجيه الفوضى الراهنة) في المنطقة، بغية إحداث (اختراق ما) يساهم في تغيير السياسة الإيرانية.

في الحقيقة، إن جميع الملفات السابقة مترابطة معاً، أمنياً وسياسياً، وهذا ينعكس بوضوح في سلوك الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. إلا أن التنسيق والتعاون بين روسيا ودول المنطقة، سيؤدي إلى احباط جميع هذه المشاريع الشيطانية.

ختاماً... يبدو أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تستفد من دروس التاريخ وأخطاء سابقاتها. فهم يتحركون من فشل إلى فشل؛ من فيتنام مروراً بلبنان وأفغانستان والعراق والآن سورية.
لقد أشعلوا النار في كل بقعة وصلوا إليها، ليجدوا أنفسهم، على الأرض السورية المقدسة، محاطين بالنيران من كل جانب ومصابين بحالة شلل شبه تام؛ فهم عاجزون عن إخمادها وعاجزون عن الخروج منها.
ومع ذلك يصرون يوماً بعد يوم على السير بعكس حركة التاريخ، مستغلين بذلك الأزمات والصراعات التي يمكن تفجيرها في الجوار؛ إذ إن السفهاء لا يشعرون بنار الفتن التي أشعلوها إلا بعد اكتوائهم بها!

 

 

تمت قراءته 554 مرات