العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

ماذا وراء التدخل الأمريكي في الشمال السوري؟

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

مؤخراً أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية قوات عسكرية تابعة لها إلى المناطق الشمالية في سورية بذريعة محاربة داعش، علماً بأن هذه المناطق هي تحت سيطرة سورية جيشاً وشعباً.. الهدف المعلن لأمريكا من إرسال هذه القوات هو التوجه من الحسكة إلى الرقة لمحاربة داعش.

في بداية الأمر نبين أنه ما بين الحسكة والرقة صحراء واسعة، وكثبان رملية، ومحافظة دير الزور بمدينتها وريفها.. والسؤال: ماذا تريد أمريكا؟ وهل بخمسمئة جندي يمكن أن تحرر الرقة؟ ولماذا كل هذا الاهتمام؟

الولايات المتحدة لم تستشر أحداً، ولم تستأذن من أحد لإرسال مثل هذه القوات، إذاً هي انتهكت السيادة السورية وخالفت القوانين الدولية.

الأمر واضح، والمؤامرة الأمريكية مكشوفة، أمريكا لا تريد محاربة داعش، وهي تتدخل بعد مضي أكثر من ستة أعوام على بدء الأحداث التي فجرتها في سورية بالتنسيق مع تركيا والسعودية وقطر تحت عنوان ما يسمى بـ(الربيع العربي)، عندما بدأ الإرهاب يتقهقر في العراق وسورية، وهذا التدخل من أجل قطاف ثمار النصر، على غرار تدخلها في أواخر الحرب العالمية الثانية بعد أن أيقنت من هزيمة ألمانيا وحلفائها على يد الجيش السوفيتي آنذاك.. هذه هي عادة الولايات المتحدة، تأتي متأخرة للمشاركة في أية حرب ليكون لها حصة في المغانم، رغم أنها لم تقدم شيئاً يذكر في هذه الحرب.

إن إرسال القوات الأمريكية إلى المناطق التي تسيطر عليها ما يسمى (قوات سورية الديمقراطية) الكردية، وليس إلى المناطق التي توجد فيها ما تسمى (قوات درع الفرات) يكشف أبعاد وأهداف ما تريده تركيا، وأهم هذه الأهداف دعم الفكر الانفصالي لدى فريق من الأكراد ومساعدتهم عسكرياً لتنشأ، بعد القضاء على داعش، أزمةٌ في سورية بين الدولة وهذا الفريق من الأكراد، علماً بأن المناطق التي يسكنها الذين ينادون بالانفصال والفيدرالية هي مزيج متداخل شعبياً، وسيحصل تصادم ويحدث صراع معقد بين الانفصاليين وشرائح الشعب الأخرى من عشائر عربية وأكراد ترفض الانفصال، هذا إلى جانب تدخل تركي عبر الحدود التركية السورية، حيث يوجد الأكراد هناك.

إذاً، الموقف الأمريكي لمجابهة الإرهاب هو كلمة حق يراد منها الباطل، وهذا الموقف هو ترجمة للمؤامرة التي خططت لها أمريكا وإسرائيل والسعودية وقطر لتقسيم سورية على أساس عرقي وطائفي وحتى مذهبي.

إن أمريكا وحلفاءها وعملاءها الذين يشجعون على إقامة كيان كردي مستقل يجهلون أو يتجاهلون طبيعة الشعب السوري وتاريخه ومواقفه التي رفضت كل مشاريع ومحاولات التجزئة والتقسيم العرقي أو الطائفي.. وعلى سبيل المثال عندما أنشأت فرنسا بعد اتفاق سايكس بيكو أربع حكومات طائفية في سورية وقسمت البلاد إلى دولتين سنيتين ودولة علوية ودولة درزية، هب السوريون هبة واحدة ورفضوا هذا المشروع وأجهضوه ولن يسمحوا بمسّ وحدتهم.. السوريون جميعاً أبناء وطن واحد وأرض واحدة، يكنّون لها المحبة ويعتزون بالانتماء لدولتهم ولقوميتهم ولأرضهم.

إن ظهور التعصب بين بعض فئات الأكراد مناف تماماً لتاريخهم الوطني والقومي العريق، وأمر غريب لم يُعهد من قبل، فالأكراد بين أبناء الأمة الواحدة وهذا المجتمع الكبير جزء أساسي يعطي صورة واضحة عن المكانة التي احتلها الأكراد في هذا الوطن، وكيف ساهموا في صنع تاريخه المجيد، والأكراد بفعل انتمائهم الوطني والقومي شخصية فاعلة في المجتمع، ومصدر غني وقوة واعتزاز، وكما أغنى صلاح الدين الأيوبي تاريخنا العربي بمواقف العز والكرامة، فإن سورية تنتظر أن يغني أكراد اليوم التاريخ كما بالأمس واليوم وغداً.

لاشك في أن الممارسات الخاطئة لا يمكن أن تبني وطناً، ولا دولة، ولا مجتمعاً قوياً متماسكاً، فالمطالبة بالحقوق مقبولة وقابلة للنقاش بين أبناء الشعب الواحد والدولة الواحدة، دون أي تدخل أجنبي، فأمريكا تريد استخدام بعض الفئات الكردية لتنفيذ مخططاتها الخاصة، وحماية مصالحها في سورية والمنطقة عامة.

إن أي تدخل أجنبي يجب أن يُرفض، وهنا على الأكراد أن يتذكروا معاهدة (سيفر) عام 1920 يوم وعد الحلفاء الأكراد بوطن في كردستان العليا، عندما كانت مصلحة الحلفاء في الحرب ضد العثمانيين تستدعي اجتذاب الأكراد لمحاربتها، وعندما اقتضت مصلحة بريطانيا استمالة مصطفى كمال أتاتورك، واسترضائه، ألغت معاهدة لوزان 1923 ذلك الوعد، ولم تشترط تلك المعاهدة أي معاملة مميزة للأكراد، بل تحدثت عن احترام الحريات لكل الأقليات، وإذا كانت معاهدة لوزان اعتبرت الأكراد من الأقليات، فسورية لا تعتبرهم كذلك، فهم جزء من الشعب السوري ويملكون إرثاً ثقافياً وحضارياً ضمن حضارة الشعب السوري والأمة العربية. لذلك من غير المسموح به أن يحدث اليوم ما حدث بالأمس، وأن يتصرف البعض بما يرضي أمريكا على حساب وحدة الأرض والشعب في سورية.

باختصار إن الدعوات إلى الفيدرالية والكيان الكردي من البعض لا تمثل رغبات المكون الكردي كله في سورية، الذي هو جزء أساسي من مكونات المجتمع العربي السورية، وهي مناقضة كلياً لتاريخ الأكراد وإيمانهم، وبالتالي فإن النزول الأمريكي في الشمال الشرقي من سورية، والزعم بأن الغاية من ذلك محاربة داعش وتحرير الرقة، يكشف أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن أمريكا تريد التمهيد لإرهاب جديد وصولاً إلى تقسيم سورية.

تمت قراءته 95 مرات