العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

التطورات الاقتصادية والاجتماعية في ظل الأزمة (1)

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

محاضرة للرفيق فؤاد اللحام

 ألقى الرفيق فؤاد اللحام، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد، أمين سر جمعية العلوم الاقتصادية محاضرة في احتفالية الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي في المركز الثقافي العربي 27/12/2016 ننشر هنا الجزء الأول منها:

أولاً- الوضع قبل الأزمة

اضافت الأزمة التي تشهدها سورية منذ آذار 2011 مشاكل وصعوبات جديدة على المشاكل التي كانت موجودة سابقاً والتي نجمت عن سياسة النهج الليبرالي الذي تم اتباعه قبل الأزمة ومنعكساته السلبية على مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في سورية.

ومنذ بدء التحول إلى سياسات الانفتاح الاقتصادي والتراجع التدريجي في دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي الذي تجلّى بشكل صارخ منذ عام ،2005 نبّه الحزب الشيوعي السوري الموحّد مراراً وتكراراً من خلال مواقفه في مختلف المواقع والمناسبات، إلى ضرورة تطوير الجانب الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد بما يتناسب مع الموقف السياسي الوطني المتقدّم وتحصينه، حتى لا يكون هذا الجانب الخاصرة الضعيفة وإحدى الذرائع التي يمكن أن ينفذ منها أعداء سورية للانقضاض على موقفها الوطني والسياسي، وتحويلها إلى بلد ترتهن مواقفه السياسية لمساعدات وإرادات الغير.

إلا أن السلطات المعنية لم تُعِرْ للأسف هذه المسألة الهامة والدقيقة الاهتمام الكافي والمطلوب، واستمرّت في متابعة سياسة الانفتاح الاقتصادي، وفي تهميش الجانب الديمقراطي وعدالة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوازنها، دون مراعاة النتائج الكارثية التي بدأت تظهر بسبب ذلك. حيث لم تشمل معدّلات النمو التي كان يتباهى بها بعض المسؤولين، كلّ قطاعات الاقتصاد الوطني، كما أن ثماره لم توزّع توزيعاً عادلاً بين الأفراد والمناطق وبالتالي لم تنعكس على مستوى الدخل الحقيقي للأفراد ولاعلى مستوى معيشتهم، كما أنها لم تصل إلى المدن والمناطق البعيدة والمهمّشة، على الرغم من كونها مصدردخل أساسي للبلاد من المنتجات الزراعية والنفطية وعدد من مستلزمات الإنتاج الصناعي الأخرى.

لقد جرى تحقيق معظم ذلك النمو في القطاعات الخدمية المالية والعقارية وغيرها، على حساب نمو القطاعات الإنتاجية المادية المتمثلة بالزراعة والصناعة، وترافق ذلك في الوقت ذاته بانسحاب واضح ومكشوف للدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بعدم إصلاح القطاع العام، وانحسار دوره في التجارة الداخلية والخارجية والنقل والمصارف، وفي الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، وكذلك التراجع التدريجي عن الدعم تحت مختلف الذرائع والحجج. إضافة إلى فتح الأسواق أمام المنتجات الأجنبية نتيجة توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة مع تركيا، وسرعة تنفيذها، ماشكّل ضربة قاصمة للاقتصاد السوري، وخاصة الصناعة التي خسرت الحماية المطلوبة لتطورها، وكذلك نتيجة اتّباع نهج (اقتصاد السوق الاجتماعي)، الذي تبنّاه المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، وتطبيق الشقّ الأول من هذا الشعار فقط، المتمثل باقتصاد السوق، تطبيقاً مجتزأً وانتقائياً في بعض المجالات الاقتصادية دون التطرق إلى جانبه السياسي، إضافة إلى اهمال الشقّ الثاني (الاجتماعي) من هذا الشعار.

كما أدّت تلك السياسات إلى بروز شراكة وتحالف قويّ بين مجموعات من الرأسماليين ورموز متنفّذة في السلطة هنا وهناك (تحالف البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية)، وانتشارها واحتكارها وسيطرتها على عدد غير قليل من الأنشطة والفعاليات الاقتصادية والخدمية، واستطاعت توجيه القوانين والأنظمة لمصلحتها عند الحاجة، وفي غير ذلك كانت تنفّذ ما تريد دون أية موانع، حتى أصبح الفساد ظاهرة مبرّرة في كل مكان وعلى مختلف المستويات. وعندما استفحلت هذه الظاهرة كانت معالجتها شكليّة وجزئية، وتنفّذ ضمن المستويات الدنيا، وظلت الرموز الكبيرة تُراكم الثروات والنفوذ على حساب الغالبية الساحقة من المواطنين، فتراجعت الطبقة الوسطى تراجعاً واسعاً، وأجّج ازديادُ الفقر والبطالة وعدمُ عدالة توزيع الدخل الوطنيّ الصراعَ الطبقيَّ في المجتمع السوري، وأصبح السكوتُ والتساهل تجاه الفئات الاقتصادية والسياسية المتنفّذة وعدمُ اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهتها مصدرَ استياء قطاعات واسعة من الشعب وشعورها بالإقصاء والتهميش.

اليوم توشك الأزمة السورية على نهاية عامها السادس دون التوصل إلى حلّ سياسي ينهيها، ويترافق ذلك مع تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل لم تعهده سورية من قبل، سواء بمستوى التدمير للمرافق والبنى التحتية والمنشآت الصناعية والخدمية والسكنية، أو بعدد الضحايا والجرحى والمعاقين، أو بعدد المهجّرين والنازحين داخلياً وخارحياً، أو بتدنّي مستوى المعيشة وارتفاع مستوى الفقر والبطالة والمرض، وتراجع خدمات الصحة والتعليم، وما نجم عن كل هذه الأمور من ظواهر اجتماعية سلبية غريبة عن المجتمع السوري الآمن والمنفتح والمتسامح، من تكفير وقتل وخطف وسرقة واحتيال ودعارة واغتصاب، إضافة إلى جعل التنوع الديني والعرقي والمذهبي، الذي كان يميّز سورية ومثار فخرها واعتزازها، أداة لإخفاء حقيقة الصراع الدائرعليها، دولة وشعباً وموقفاً وحضارة، من أجل خدمة الأهداف والمصالح السياسية والاقتصادية لعدد من الدول العربية والإقليمية والدولية المعادية، وبضمنها الكيان الصهيوني.

ثانياً ــ الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة

أدّت الأزمة السورية التي لم يشهد العالم مثيلاً لها في هذا القرن وما رافقها من أعمال عسكرية وحصار ومقاطعة من العديد من الدول العربية والأجنبية، وتجميد الأرصدة الحكومية وبروز الجماعات التكفيرية الارهابية المسلحة وسيطرتها على أجزاء هامة من البلاد وتدمير العديد من المنشآت العامة والخاصة الانتاجية والخدمية والسكنية، إلى تأزّم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية بشكل غيرمسبوق. وما يزال حجم الخسائر المادية والبشرية التي سببتها الأزمة في ازدياد دائم نتيجة استمرار المجابهات العسكرية، وعدم القدرة على حصر الخسائر في المناطق المشتعلة وغير الآمنة. وما يزال تقدير حجم الأضرار على مستوى الاقتصاد الوطني يتباين من جهة إلى أخرى محلياً واقليمياً ودولياً. حيث تقدر بعض هذه التقارير الضرر اللاحق بالناتج المحلي الإجمالي السوري لغاية عام 2015 بحوالي 240 مليار دولار. كما تقدر الدين العام في العام 2015 بنسبة 63 % من إجمالي الناتج المحلي للعام نفسه.كما تشير إلى هبوط تصنيف سوريا في مؤشر التنمية من المرتبة 121 إلى 173 من أصل 187 دولة.وبغض النظر عن مدى دقة الأرقام المتعلقة بالأضرار المادية الناجمة عن الأزمة، إلا أنها تعطي مؤشراً تقريبياً عن فداحة آثارها الاقتصادية والاجتماعية على حياة السوريين حالياً ومستقبلاً.

أضافت حالة الجفاف التي شهدتها سورية خلال سنوات الأزمة، وسوء المواسم الزراعية، وصعوبة تسويق ونقل المنتجات الاستراتيجية كالقمح والقطن وغيرها، إلى مزيد من تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما زاد من الاعتماد على الاستيراد لسدّ النقص الحاصل في هذه المواد وخاصة النفط والمواد الغذائية الأساسية. كما أدّى استمرار المجابهات العسكرية إلى زيادة الإنفاق الحربي وكذلك المدني لمعالجة مشاكل المهجرين وتوفير المواد والخدمات الضرورية لهم.

وجرى تجميد الاستثمارات الجديدة في الجهات العامة وتوظيف القسم الأعظم من الموازنة للإنفاق الجاري لدفع الرواتب ومتمّماتها. وفي الوقت الذي فقدت فيه سورية المصدر الرئيسي للقطع الأجنبي الناجم عن تصدير النفط وعدد من المنتجات الصناعية والسياحة، استمر استنزاف الاحتياطي الرسمي من القطع الأجنبي، وإن خفّف منه إلى هذا الحد أو ذاك المساعدات والخطوط الائتمانية من الأصدقاء وكذلك تحويلات السوريين العاملين في الخارج التي تصل إلى حوالي 7 ملايين دولار يومياً إضافة إلى التحويلات الخارجية الأخرى. كما ساهمت عودة صادرات بعض المنتجات الصناعية والزراعية، وإن بشكل تدريجي ومتواضع، في رفد الموارد العامة من القطع الأجنبي، أو/ وفي الحد من استيراد المنتجات المشابهة.

ويمكن تلخيص أهم نتائج الأزمة وآثارها على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في سورية بما يلي:

1- تراجع كبير في الموارد العامة،سواء من عائدات النفط التي كانت تشكل 38% من إيرادات الخزينة قبل الأزمة أو من الصادرات والسياحة والضرائب والرسوم، والاضطرار لاستيراد النفط والمشتقات النفطية والمواد الغذائية الرئيسية من أجل تلبية الحاجة المحلية الضرورية من هذه المواد. إضافة إلى ازدياد الإنفاق العسكري نتيجة توسّع رقعة المعارك والمواجهات العسكرية وانتشارها، وما ينجم عنها من خسائر مادية وبشرية ينبغي تعويضها،ما أدّى إلى زيادة كبيرة في عجز الموازنة العامة للدولة الذي ارتفع الى أكثر من 6 أضعاف ما كان عليه في عام ،2010 اضافة الى تراجع نسبة التحصيل الضريبي بحوالي 65%.

2- انخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي، سواء بسبب عدم تمكّن المنتجين من الوصول إلى أراضيهم ومعاملهم للعمل فيها، أولصعوبة نقل المستلزمات إلى مراكز الإنتاج، وصعوبة نقل الإنتاج الجاهز إلى مراكز البيع والاستهلاك، أو بسبب تخريب المنشآت الزراعية والصناعية العامة والخاصة أوسرقتها وتهريبها وبيعها في الخارج، أوهجرة أصحابها خارج البلاد، أوتحوّلهم للعمل في الأقبية وعلى أرصفة الشوارع في المدن والبلديات دون التمكن من تأمين مواقع عمل بديلة وتوفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل وتشغيل منشآتهم.

تمت قراءته 294 مرات