العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

دفتر أحوال!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

يسأل القارئ العربي في غير مكان عن حصته من القراءة، فتفجعه استطلاعات الرأي بنتائج تحتاجها المفارقة فحسب. إذ لا يصبح لأسئلته فضاؤها الأثير، فليس (كل صلب يصبح أثيراً) دون أن يشغلنا اعتذار ملحاح من الفيلسوف (ماكس بيرمان) بوصفه صاحب مقولة (الصلب والأثير) وما ينجم عنها من اشتقاقات تنوس وتتأرجح ما بين الواقع والمجاز.

لكن قارئنا الذي يدرك بفطرته السليمة مكر التاريخ، لا تنفك أسئلته عن أن تكورّه أو تمدّده بفعل جاذبية كيميائية خفية، استفاق ليجد ذاته على هيئة سؤال، لا بأس إذن من اختبار جدية أسئلته، فهي من لحم ودم وأعصاب و.. و، حلم.

تنشد فيروز: الأرض لنا، فهات يدي وهات يدك، وتجيب مبدعة تعكس حساسية جيلها وواقعيته بلا ضفاف بل بثراء مرجعي باذخ الحواس: (ما أتعبنا إلا تلك الأحلام، ما أحوجنا إلى الحقيقة وشرب مُرِّها بصمت ورضا)، لتحاكي صوتاً داخلياً يقول: (دعونا ننتبه إلى أنفسنا).

نحن واقعيون بما يكفي، ولسنا افتراضيين كما يرانا من هم وراء البحار، المشغولون بحكاية (المكوى والقميص) والنار بينهما، ومتوالية الحكاية وتناصَّاتها في غير مكان أيضاً. رغيف السؤال الطازج تتلقفه الأيدي البارعة، يصبح رواية تنتظر الكتابة خارج هشاشتها ورخاوتها وخفّتها، داخل حقيقتها فلا أطراف صناعية تجمّلها. فنان مصر العضوي في فيلمه الرائع الصيت (أنا لا أكذب بل أتجمّل)  المرحوم أحمد زكي  ظل صادماً بتراجيديته، ليترك لنا سؤالاً حول الكذب الذي لا نحتاجه، رغم أنه بات ملح العالم الآخر، وربما يجعل من (سيزيف) بائعاً جوالاً، ومن (بروميثيوس) بطلاً لأفلام كرتون! ولربما استطاع  رغم استحالة ذلك  أن يوهمنا أنه يمتلك حصتنا من الحياة؟!

وحدها نوافذها المفتوحة على الهواء والطيور من تجتذب رحلة النهار، نهار ليس مشغولاً بقيظ آب الفائض الحر، كفائض الحداثة وأسئلتها، وكيف نؤسس لنص إبداعي مختلف.

(ليت الزمن بين أيدينا نسيجاً لنغسله، كما نغسل قمصاننا)، وفي ذلك اعتذار عن قصد لشاعرنا أدونيس الذي ما فتئ يضيف معنى التقدم لحياتنا بفكر جديد، وله أن يضيف قولاً آخر (ليس في الأرض مكان يتعذب دون جدوى).

فهل الشعراء مدينون حقاً للحظات الهاربة حتى يستولدوا منها ضياء فاعلاً، أم ترانا كمثل شائعة القمر الأزرق الذي يكتمل مرتين خلال شهر واحد.

أم ترانا نستدعي شاهدنا من تراث أغاني أبي الفرج الأصفهاني، ومنه أنه قال: (سمعت رجلاً سأل أبا العبر عن هذه المُحالات التي يتكلم بها: أي شيء أصلها؟ قال: أُبكِّر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج فأكتب كل ما أسمعه من كلام الذاهب والجائي، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضاً أو ألصقه مخالفاً فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه).

هامش: أبو العبر من شعراء القرن الثالث الهجري، تجاوز الخمسين، وتأكد له أنه لن يستطيع منافسة البحتري وأبي تمام، فقرر ترك الجد إلى الحمق، وغيَّر كنيته من أبي العباس إلى أبي العبر، وهذا ما استحضره الناقد عبد الفتاح كليطو في كتابه (الحكاية والتأويل).

لقد أعيت الحماقة من يداويها، ليت الأمر يستقيم بتغيير الكُنى، عَبَراتك يا أبا العبر!

تمت قراءته 1377 مرات