العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

افتراضيّ بين الحشود!

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 بفضل المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت والرسائل النصية المتبادلة، بات بشرُ الزمن الحالي ذوي قدرة أكبر على التواصل بعضهم مع البعض الآخر أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. التغيير الدراماتيكي الأهم والمغري هو أن نكون (في مكان آخر) في أي وقت من الأوقات نشاء.

لكن هل أجهدت هذه التقنيات علاقاتنا الشخصية؟ هل أحاطتنا بالوحدة والعزلة والانقطاع العاطفي عن الغير، أم أنها كثفت المحبة وأعداد الأصدقاء؟!

يستخدم البعض الشبكات الاجتماعية لمواكبة صداقات حقيقية وإبقائها حية. يميل المرء للبحث عن (صديق) لا يعرفه مسبقاً، لا يربطه به التزام من أي نوع وبالمثل يدرك أن الآخر لا يدينُ له بأي شيء بالمقابل. وحدها هذه الصداقات توفر وهمَ الرفقة دون مطالب الصداقة، دون مطالب العلاقات الخاصة.

يعتقد كثير من الناس أن هواتفهم وأجهزة الكمبيوتر المحمولة هي (مكان الأمل) في حياتهم، (نافذة ضوء) يهربون بها من واقع مقيت. يعبرون عن مكنوناتهم بنص مكتوب أو بصورة أو بموسيقا. تتحدث أصابعهم بحرية أكثر وتتلقى عيونهم ما ترى بقبول أكبر. وتنغلق الإطارات وتضيق عليهم وصفحاتهم أكثر فأكثر. ليتحولوا دون أن يدركوا أو حتى دون أن يمانعوا، إلى أنصاف آباء، إلى أنصاف أصدقاء، إلى أنصاف أبناء وإلى أنصاف عشاق، غرقى في هواتفهم الذكية ملتزمين أكثر بما يجري في هذه الشاشة المضيئة.

قوي الشخصية هناك، والضعيف كذلك، المستعرضُ والخجول والمعتكف.. كلٌّ له منبرٌ وكلمة ووجود، قد لا يعثرُ عليه في واقع يحيط به.

الحقيقة النفسية الخطيرة في الأمر أننا نتعود ألا نكون أنفسنا، ونعلّم أطفالنا هذا حين يلحظون أننا نختبئ خلف التقنيات في نقل مشاعرنا أو إخفائها.. حين يكون وجود الآخرين و(كثافتهم الافتراضية) مصدر حبورٍ أو كآبة. حينَ تتغير طرق التعبير من صوتٍ ولقاء بوسامة أو بفوضى.. إلى حروف مكتوبة ووجوه مرسومة. حين نكون ونتعامل مع الآخرين، ككائنات أنيقة على الدوام وكاملة ورائعة كما نبدو وتبدو في الصفحاتِ الافتراضية.

حين يزول التبادل العاطفي بأقل مستوياته، من زوجين صامتين محدّقين بأجهزتهما، إلى فم رضيعٍ ينظر إلى أمه المشغولة بشاشتها عن زجاجة حليبه، إلى أطفال محبطين لا يجدون أذناً تصغي لثرثراتهم، إلى لقاءات أسرية خاوية إلا من شبكة ( الواي فاي)، إلى خضرة وصحراء وجبال وبحر لا تستمتعُ بها العين إلا عبر مستطيل ونقرة لتوثق في الصفحة لاحقاً. حين تجعلنا التكنولوجيا نغفل عنا، عن مرايانا، عن محيطنا، رمادياً  كان أم ملوناً. حين نهرب من مواجهة مشاكلنا وعثراتنا وجروحنا، إلى حضنِ الصفحات العقيمة.

الإدمان على الانترنت مشكلة ليست عصية الحل، إذ يمكن لكل منا خلق مساحات مقدسة لبعض الأنشطة. لا تكنولوجيا عند اجتماعات الطعام، لا تكنولوجيا حين الخروج مع الأطفال أو الأصدقاء. يمكن تعلم غلق الأجهزة أو إسكاتها وتجاهل البحث فيها لصالح رحلة لاستعادة الذات.

من المهم التدرب من جديد وتعليم الجيل القادم أهمية المشي في الطبيعة، والمدينة، من الضروري التركيز على تجربة (السياحة). لنمتع أبصارنا بتفاصيل وجوهنا وأبنائنا وأحبائنا، بألوان ضحكاتهم وملوحة دمعاتهم، لنحفظ ملامح الأبنية والطرقات والأشجار والسماء.

لنمنح أرواحنا أجنحة التحليق حولنا، لنطوي شاشاتنا الافتراضية، لنسرق منها حياتنا المنهوبة، لحظة لحظة من جديد!

تمت قراءته 3086 مرات
حنان يوسف علي

كاتبة وصحفية سورية