العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

أُفّ من الحُكّام!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

يكفيكَ حُزناً، ذَهابُ الصالحين معاً

ونحن بعدهم، في الأرض، قُطّانُ

إنّ العراقَ وإنّ الشام، مذ زمن

صِفرانِ ما بهما للمُلكِ سلطانُ

من لزوميات فيلسوف المعرة

(1)

هل وقف فيلسوف المعرة موقفاً صريحاً من حُكّام عصره؟ أزعم، نعم، فأنت تجد فيما وصل إلينا من آثاره ما يدل على مذهبه في هذه المسألة. فقد سخط على ما رأى من ظلم الملوك والأمراء، فتساءل عن مصدر السلطة التي أتيحت لهم، فلم ير لها مصدراً إلا الأمة التي استأجرت حُكّامها ليقوموا بمصالحها. يقول في لزومية:

إذا ما تبيّنّا الأمور تكشّفت

لنا وأمير القوم للقوم خادمُ

فلا يحق لهم استعمال هذه السلطة لمصالحهم الخاصة، ولا أن يتوهموا أن الأمة ملك يمينهم يتصرفون بها تصرف المالك برزقه. ولعله أول شاعر استثار سخط الأمة على حُكّامها، وعرّفها أن الحاكم أجير؛ والأجير يجب أن يعمل لمصلحة مستأجره؛ فإذا أخلّ بذلك استحق العزل والطرد من منصبه لأن المنصب تكليف. ولم أر شاعراً اجترأ على الحُكّام وأماط النقاب عن مخازيهم واستهتارهم بالرعية كفيلسوف المعرة:

مُلّ المقام فكم أُعاشر أمة

أمرت بغير صَلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها

فعدوا مصالحها وهم أجراؤها

(2)

لقد قدّم لنا مثلاً فذّاً لبسالة المجاهدة في عصر انحطّ فيه أهل السياسة إلى الدرك الأسفل، يسومون الناس ضروباً من الظلم والعسف، ولا يصدّهم رادع عن منكر أو خزي، لذلك لا يكاد يصف أهل السلطة إلا بما يوجب النقمة عليهم. وكان يرى في الحُكّام وولاة الأمور السابقين من عرب وعجم من لا يقل شرّه عن أهل السلطة في زمانه. درس أحوال الملوك والرؤساء والأمراء والزعماء والوزراء والولاة في عصره درساً متقناً، وألمَّ من أخبارهم وأحوالهم بالشيء الكثير، وقد صور لنا بعض ذلك في شعره ونثره. أما الرؤساء فإنهم تولوا مناصبهم بالمكر والدهاء لا بالكفاءة والإخلاص. وهم عبيد لشهواتهم ومن اقترب منهم لا ينجو من أذاهم، لذلك كان شديد الحذر منهم، وكان يستعمل المُداراة في الهروب من الاتصال بهم، فضلاً عن المثول بين يديهم، لأنه لم ير في ولاة الأمر من ملوك وأمراء ووزراء ونحوهم من يستحق أن يُحمد. وهم بين زير نساء، وعبد فرج، وجابي خرج، استباحوا من أموال الناس وأعراضهم ما حرم الله، ولم تعرف قلوبهم الرحمة ولا الخشية من الخالق ولا الحياء من المخلوق. بل هم شياطين مسلّطون على المستضعفين في الأرض لا يهمّهم إلا أن يملؤوا بطونهم من الشهوات، وإن كان الناس في أقصى درجات الشقاء والفاقة والجوع، فقد:

ساس البلاد شياطين مسلطة

في كل مِصر من الوالين شيطانُ

من ليس يحفل خُمص الناس كلهم

إن بات يشرب خمراً وهو مبطانُ

(خمص: مفردها خميص، وهو ضامر الحشا من الجوع. والمبطان: الذي لا يزال ضخم البطن من كثرة الأكل). وإذا كان رعاة الأمر على هذه الصورة من الجور والانهماك في الملذات، والرعية متروكة لأقدارها، يعيث الفساد في أرزاقها، ويدفعها الشقاء لسفّ التراب:

يسوسون الأمور بغير عقل

فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفّ من الحياة وأفّ منهم

ومن زمن رئاسته خساسة!

كان يمقت الحاكم الذي يسرق أموال الناس، ويستبيح أعراضهم، ويسلّط أعوانه عليهم، ويسومهم أنواعاً من الخسف والعسف، ثم لا يدفع عنهم شرّاً، ولا يحوطهم من الأشرار.

 

(3)

ففي جحيم فيلسوف المعرة الذي اصطنعه في رسالة الغفران كان رقيق القلب مع العامة، فاختار أن تكون نار جحيمهم هيّنة، ليّنة، بسيطة، ومشاهد العذاب فيها معدودة محدودة، يكاد أطول مشهد منها لا يتجاوز الأسطر المعدودات، ولكنه اختار مشاهد عذاب جحيم استثنائية لشوس الجبابرة من الملوك والأمراء الذين ظلموا الرعية. وقد ختم المشهد القاسي لتقلّب الملوك في نار جهنم وهم يستغيثون فيها: ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل. فيقول رب العزة: ذُوقوا فما للظالمين من نصير. لقد جاءتكم الرسل في زمان بعد زمان. وقيل لكم في الكتاب: (واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). فكنتم في لذّات الساخرة واغلين، وعن أعمال الآخرة متشاغلين، فالآن ظهر النبأ، ولا ظلم اليوم، إن الله قد حكم بين العباد.

ولعله لا يفوتنا أن نقف عند لفظ الظلم الذي كرره هنا، وعند كلمة لذّات الساخرة التي قذف بها في وجه الملوك في هذا المشهد، ولعلنا نقدر تقديراً عالياً تلك الآية التي ختم بها مشهده: لا ظلم اليوم. وإن الله قد حكم بين العباد. أتراه يرنو إلى العدل في عالمه الآخر بعد أن رأى الظلم في دُنياه؟ أغلب الظن أنه كذلك.

(4)

وقد كان يتمنى أن يقوم في الناس إمام عادل يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ورأى أصناف الحُكّام وأولي الأمر قد ركب كل منهم مطية الغرور والزهو، وانخدع بمدح المنافقين ونفاق المتزلفين. فأماط النقاب عن حقيقة ما هم فيه، وعن عاقبة أمرهم. وبيّن لهم أنهم فقراء على غناهم ضعفاء على قوتهم. فقال يبيّن أنهم أفقر الأحياء:

وأفقرُ الناس في دنياهم ملكٌ

يضحي إلى اللجب الجرار محتاجا

لعل السبب في ذلك ان الحُكّام لم يتولّوا أمور الناس عن إجماع ورضاً ولا عن جدارة وفضل، ولم يكونوا من ذوي حسب رفيع وشرف عال، ولا من ذوي النفوس العظيمة، وإنما دار الزمان دورته حتى:

غَدا العصفور للبازي أميراً

وأصبح ثعلباً ضِرغام تَرْجِ

وجبن الناس عن الذود عن حياضهم بأيديهم، وأقفرت البلاد من رجل يقول كلمة حق في السلطان الجائر. ومن مجمل أقوال فيلسوف المعرة يتبين أنه لم يكن ناقماً على أهل السلطة ولا ساخطاً عليهم لأنهم كذلك، وإنما كان ينكر عليهم ظلمهم الرعية، وإفقارها، وذلّها، كي تستكين لأمرهم وخساساتهم. كذلك لم يكن مع ترك الناس فوضى لا سُراة لهم. وقد رأى فيلسوف المعرة أسباب هلاك الحاكم في أنه أحاط نفسه ببطانة من المنافقين، أقاموا حوله سياجاً من التعظيم الباطل والثناء الكاذب، فجعلوه حصيراً في قصره، واستقلّوا بالأعمال وتصريفها على حسب أهوائهم. وهم يوجهون الحوادث والأوامر إلى ما يلائم رغباتهم ومنافعهم. والحاكم أو الرئيس لا يشعر بما يقع خارج الغرفة التي هو فيها، ولا بما يحدث في قصره الذي يأوي إليه، فيكون هلاكه.

تمت قراءته 3495 مرات