العدد:753
تاريخ 18/ كانون الثاني/ 2016
 

متعة الكتابة في الليل

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 هكذا تبدو متعة الكتابة في الليل، وهي تكسر حاجز السكوت والعتمة، تماماً كمتعة صخب الصمت، حين تشتعل الحواس بما يدرك، يدفعها بأرق صاخب، ليسكب ذاك الخفي البعيد على صفحة الحياة، لينهض شكلاً جديداً أو تشكيلات مثيرة كي تصبح فيما بعد نمطاً جميلاً من الثرثرات يضيف في صفحة الوجود دفقة ممتعة من الإبداع لم تكن مطلقاً بنت لحظتها، بل عاشت دهراً تتشكل وتتكون في وجدان مبدعها، وتؤرقه كأنها فراشات المستحيل التي حومت في حقول الورد والياسمين والزعتر والدفلى، لتخص عين الوجود بألوان قوس قزح، تفر منا في لحظة دهشتنا ونشوتنا، إلى الغياب البعيد النائي، ثم تبهرنا ثانية بوميضها الخاطف يمد الجناح فوقنا قوساً زاخراً بألوانه الجميلة المبهرة، الموجعة بغرابة تشكلها عندما تزدحم السماء بالسحاب والبرق والمطر العاصف، حتى يكون المخاض الأخير لقوس قزح السماء، تماماً كقوس قزح الفراشات عندما يشعلنا غبطة ونشوة، فإذا بالمخاض المتعثر في لملمة خيوط قوس قزح الكتابة، يومض ومضة صاخبة هادرة بقوة مخاضها، ثم ينهمر أزمة كتابة على الورق، بعد مخاض عسير استمر دهراً بين الوجدان والذاكرة والمخيلة، وجوار كينونة المبدع كلها، ثم بغتة تتدفق شهداً صافياً من خلاياها، لتكون قد غدت متعة الأذن عند السماع، ومتعة العين عند القراءة، ومتعة الروح عندما تحلق في أعالي الغياب القصيّ عابرة كينونة الوجود إلى كينونة ملكوت ما.. شكلته الروح تصوراً ما لعالم خارج إطار المادي والفوضوي، أشبه بسكينة الليل، يلهم صخبها الصامت المبدعين ليبدعوا!

في مثل حالة كهذه يكون الإلهام حقيقياً صافياً كالشهد، وإلهاماً تدفق بقوة تشكله وضراوة التأسيس له، بين إيحاءات التكوين الأولى التي عاشت في جينات المبدع ليبدع، ثم اختزان الذاكرة فيما بعد لثقافة الحياة، والمطالعة لتصبح في طور اكتمال هلال إبداعها، قد غدت خزاناً مضغوطاً أو خلايا مضغوطة بشهده نحلها المجموع من ملايين حقوق اللوز والزيزفون والياسمين، خلطة غريبة عجيبة خارقة المذاق، وشهدها طاغ في بث نشوة ما في وجدان ما، وجدان ملهم الإبداع، ووجدان ملهم الاستماع، هما في النهاية المبدع والقارئ يتلاقيان عند حدود نشوة واحدة هي نشوة الصعود الإنساني تؤهله ليكون الأعلى بين خلائق الوجود كلها وكائناته.

واليوم.. لا خلايا، ولا شهد، ولا حقول ورد ولوز وزيزفون وياسمين، إنه الفكر المادي العابر والميت كحجارة وإسمنت وحقول علب الكبريت المحيطة بنا، لتبدع ثقافتها وأدبها وفكرها مما يحيط بها من زيف عقول الإسمنت التي تحاصرنا بنتاجها الرمادي.. كل لحظة آلاف الكلمات العابرة المتهاوية من أعلاها إلى أدناها، يتلقفها أي قارئ ليهبط معها إلى القاع، حيث السكون هنا غيره في سكون ليل الأعالي الصاخب بطنين نحل الشهد، ونايات الرعاة، وثرثرات أجنحة الفراشات على شبابيك نشوتنا لحظة تصبح اللحظة عالية القيمة لنبدعها شيئاً آخر يغدو قوس قزح جديداً في سماء جديدة تتشكل فوقنا لنستمتع بها من سحر إبداعنا!

تمت قراءته 2931 مرات