العدد:795
تاريخ:13/ 12/ 2017
 

المفارقة الأخيرة التي كتبها الرفيق الراحل باسم عبدو

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

ما أطول شَعْرك أيها الليل، وما أقصر عمركِ أيّتها الكهرباء.. نفرح بولادتك ثمَّ سرعان ما نصاب بالاكتئاب ويعمّ الحزن أفئدة الصغار والكبار..!

تتلظى ساعات النهار بالانتظار، رغم انخفاض درجات الحرارة في خريف يقترب من عتبة الشتاء، وتغلق ألوف الأفئدة بوَّاباتها، بينما الوجع يتجمَّع ويسد جميع المنافذ ويمنع الحُبَّ من الدخول أو الخروج..أما المواطنون فيغيبون بصمت ثقيل ويزحفون على بطونهم، كما قال نابليون بونابرت قبل قرن مضى.. والآن نستعيد قوله المأثور:(الجيوش تزحف على بطونها). والمواطنون في زمن السرعة والوجبات السريعة يزحفون على أكواعهم ورُكبهم بحثاً عن مكان آمن، ورغيف ساخن وأمل ناضج على نار الأحلام.. والسؤال: هل تستمرّ العجَّانات في العجن، والخبَّازات في الخَبز..؟

لقد تصدّعت الرؤوس المعلّقة برقاب رملية، وانحنت الفؤوس أمام قوة الرؤوس المثبّتة على رقاب من البيتون المسلّح؟ وصدق من قال: من يبني بيته على الرمال سرعان ما تحمله أول عاصفة تمرّ على المكان.. فيا أيها الأحياء أعلِموا أمواتكم، أن بيوتكم المؤسسة على الصخر وأخلاقكم المدعّمة بالحب، وآمالكم السائحة في آفاق المعرفة.. وأحلامكم التي خرجت من عزلتها وطقوس الكآبة، أنَّكم ستوفرون لها فضاءات نظيفة وأسرّة مريحة، خالية من النميمة والغيرة والحسد والشماتة والشتيمة.. كي تصمد في وجه العاصفة التي ستهبّ دون أن تعلن عن ساعة الهبوب..؟!

نحن الذين ما زلنا على قيد الحياة ننتظر العتمة بعد الغروب، وتتشاغل أفكارنا وتتقاتل وهي تبحث عن أي شيء يدفئنا.. نتضاحك علناً أمام الناس، وأطفالنا يرموننا بابتسامات التحسُّر وذلّ القهر المتيبّس على شفاههم..!

وماذا يا أصحاب الخير ورجال الألفة والمحبة، عن الروتين القاتل والفساد والهجرة والنوم قبل أن تنام دجاجات خالتي محفوظة، التي دوّختنا وهي تحفظنا المثل في كل مساء قبل النوم: (نام بكّير وشوف الصحة شلون بتصير). كيف ينام ملايين الجياع في العالم ومعدهم خاوية؟

ما أطول مشوار الجوع والآلام .. وحتى الآن لم نتحمّل واحداً في المئة مما تحمّله السيد المسيح أثناء الصلب.. فقد نام بعطشٍ وجوعٍ وشوكٍ واخزٍ وآلام.. كثيرون من الصغار والكبار وأبناء جيلنا والأجيال التي نامت قبلنا ولم تنهض من أسرّة الموت..!والتي  ما تزال تترنّح مثلنا عاجزة عن أي فعلٍ في زمن من يولد فيه بالقيصرية أو بالولادة الطبيعية،وهما ولادتان ربما يتساوى فيهما الطفلان بالوزن والأحلام.. وقبل أن يكونا قادرين على المشي يزحفان ويرثان هذا الزحف كما يرثان العَوز والفقر والآلام..!

***

ما العمل أيها النهار بعد شروق الشمس، وهل يطيب المشوار؟

لقد تهشَّم جمالك أيتها المدينة الجالسة على بحر مياه وعلى كتف نهر، ترك الشعراء أيتاماً بعد أن جفَّ.. وبعدئذ امتلأت البطون وانحبست الأنفاس.. ضاعت نبضات القلوب بين شهيق الحياة وزفير الموت.. بدأ الصمت اللعين يحفر قبر الضجيج ويدفنه في مغاور النسيان..! أما زمن الشَّعْر القصير وتسريحة النساء الجميلة، فهذا يعني أننا نعيش في زمن السرعة.. وننفذ بحرص شديد ومسؤولية عالية قرار بعض الحكماء.. وننصاع صاغرين نحني رؤوسنا حبّاً، ونحن نسمع النداء الموجه للشباب خاصة للتلامذة وطلاب الجامعات، بقص شعورهم كما يقص شعره هذا الحكيم الوصي على أبنائه.. ففي ذلك بركة وانصهار في بوتقة الحب والعبادة والطاعة.. وعندما أشار بسبابته إلى شعر بعلته من جهتي اليمين واليسار.. زغردت نساء المدن والقرى البعيدة والفتيات واليافعات ومن بدأنَ يلثغنَ بفحيح الكلام.. عرفنَ أّنهنَّ  سيمتثلنَ لتنفيذ القرار براحة بال واطمئنان وأمان ..بشرط واحد أن تكون تسريحة شعورهنَّ صورة طبق الأصل عن تسريحة شعر هذه البعلة الضاحكة دائماً، والمصغية دائماً لحُبِّ الناس ولمن يحفظ العهد والأسرار..!

ها هي ذي العدالة التي ترتدي فستاناَ ثميناً مزخرفاً باللؤلؤ ، تنظر بعينيها الاثنتين الحولاوين، وبخدّيها النافرين المتوردين مثل رمانتين، وكتفيها الواقفين على عجلتين متساويتين.. تشبهان ميزان قصور العدالة في جميع بلدان العالم الثالث..!

تمت قراءته 518 مرات