العدد:773
تاريخ: 21/ حزيران/ 2017
 

من البرغوث إلى الدولار

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 سألني أحد المهتمين بحياة الفقراء في سورية والمبشرين بغد أفضل: ما هو العدو الجديد المضاف للكادحين؟

السؤال المحيّر يحتاج إلى جواب مقنع.. وليس من السهل أن جوابي سيكون مقنعاً بهذه السرعة، وللعلم أنا لست اقتصادياً أو محللاً استراتيجياً أظهر على الشاشات كل يوم مرتين..!

جاء سؤال الصديق في وقت أنا فيه في حالة ضيق، ولا أريد أن يضيق صدري بهذا السؤال، لأن مئات الأسئلة ما زالت متعفّنة في ذاكرتي، لكنْ، هناك ودّ عميق يجمعنا وصداقة عتيقة يؤرَّخ لها تمتد على أربعة عقود بفصولها..! لقد أحدث السؤال قلقاً عندي طيلة ليلة وعشش في رأسي، واستطالت ساعات الليل وغطت مساحة سورية في جهاتها الأربع.

استرخى السؤال على سرير الألم.. شتّت ذهني وشوّه معدن ذاكرتي المزدحمة بغيوم الحزن، وشدَّني من يدي وقادني إلى مكتبي وقال لي: فكّر جيداً يا صاحبي.. عليك أن تعطي جواباً يفحم صديقك بعيداً عن الروتين والتقليد والتورية.

في تلك الليلة هزّت الرياح غرفتي وكاد سقفها التوتيائي أن ينخلع ويطير.. المطر العاصفي يتساقط والأرض العطشى تفتح فمها، ولم ترتو بعد.. والجيران ما يزالون ساهرين ينتظرون شخير صنابير المياه لكن دون جدوى..!

تسلل الجواب بخطا وئيدة إلى رأسي.. فتح نافذة في ذاكرة مهشَّمة وزمن أجرب وقلب تنقصه حرارة الإيمان لمستقبل الإنسان الذي صار في خبر كان.

ليلة ملتهبة..حمراء، كأنها عجوز تتكئ على عكَّازة قصب عرجاء، بينما كان صديقي اللجوج الغيور ينتظر الجواب وهو صابر، يناضل منذ نصف قرن من أجل (وطن حر وشعب سعيد).

قلت له: أعلم أنك فتحت دفتر مذكراتك، وأنك ما زلت تحتفظ بالنقود القديمة والتُّحف الأثرية والبراغيث والعملة السورية والدولية من الين الياباني والدولار واليورو.. وغيرها الكثير. فالأعداء يا صديقي الودود ما أكثرهم في هذا الزمن المعتم.. من البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والتجار الجشعين مثل العلق يمتصون دماء المواطنين ويشربون عرق أتعابهم.. ومن السماسرة والعقاريين القدامى والجدد.. وتجار الأزمات وحيتان المال والسوق السوداء والمهربين والمرتشين وأصحاب السوابق والحشاشين وتجار السلاح والمزورين.. والفاسدين والمفسدين.. ولم يستثنَ منهم تجَّار الخبز الذين أصبحوا يشكلون ظاهرة من إفرازات أزمتنا.. وأقول مع القائلين إن هؤلاء الذين يعيلون أسرهم، وأن أرامل كثيرات دون معيل يتاجرن بالخبز..ولكنهن يضاعفن مئة في المئة سعر الربطة.. ويتعاملن مع عمال الأفران دون وساطات.. وكل ألف ليرة لشراء الخبز يحصل العامل على 200 ليرة.. وهكذا.. يعاني المواطنون الاستغلال والنهش في لحمهم، مقابل ما يقوم به بعض السفلة الذين يلقون ضمائرهم في الحاويات ويزوّرون في فواتير الأخلاق.. عندئذ قلت لصديقي الذي ما يزال على جمر الانتظار: لقد وصلت إلى قناعة تامة دون ضغط أو إكراه من أحد وأنا بكامل قواي الجسدية والعقلية، أن ألدّ أعداء المواطنين السوريين والكادحين منهم بشكل خاص، هو الدولار الذي يطلقون عليه اسم (الأخضر)، ولكن ليس الأخضر الإبراهيمي، أو الكتاب الأخضر لملك إمبراطورية إفريقيا العظمى الرئيس المقتول معمر القذافي.. وللعلم أصبح اللون الأخضر من الألوان غير المحبَّذة والمكروهة، وكلما ارتفع الدولار عشر ليرات أكل المواطن المسحوق مئة جلدة على الطريقة الوهابية.. ويتمنّى المواطن ألف مرة أن يعود البرغوث إلى جيوبنا وإلى صناديق الادّخار وأن تملأ البراغيث أسواقنا دون أن تعشش في أجسادنا..وعبّر عن ذلك بعض الاقتصاديين المهرة في الحساب، ومن الذين يميزون بين البرغوث والليرة السورية والدولار، ويحسبون بدقة مصروف الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد.. وقال أحد المشهود لهم بالنزاهة: سيُمضي الدولار شهر العسل في شرم الشيخ آخر هذا العام.. و كل دولار يساوي 500 ليرة سورية فقط لا غير..؟! وقدَّم الصديق آخر نصيحة من عجائز نصائحه.. وقال: علينا أن نرفع شعار (الرغيف يركض ونحن نزحف خلفه كالسلحفاة)! فناموا أيها الفقراء واطمئنوا ولا تفكروا بخبز الغد.. فالغد كريم سيفتح الأفران ويكرّم العمال ويخفّض الأسعار.. فهو الوحيد الذي يهتمّ بكم وبمستقبل أبنائكم..!

تمت قراءته 493 مرات
المزيد في هذه الفئة : « قصفة مردكوش تأبّط نعلاً »