العدد:780
تاريخ: 16/ 8/ 2017
 

ازدواجية المواقف

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

باسم عبدو

 

 إذا أخذنا عيّنة من الأشخاص من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن بيئات متنوعة من حيث المستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي، نرى أن المعايير تتباين والمقاييس تختلف بين هذا الشخص وذاك، علماً أنهما ينتميان إلى جيل واحد وهما من مستوى تعليمي واحد، ويمكن أن يتشابها في ملامحهما من حيث لون البشرة والعيون والطول ونبرات الكلام.. وهذا التشابه أو التطابق أحياناً في الجزئيات لا يعني أن موقفهما مثلاً من الأزمة هو موقف واحد موحد، بل لكل منهما رأيه الخاص به.. فالأول مثلاً أعجب بما يسمى بـ(الثورة) أو بـ(الربيع العربي) لأنه مُغْرم بشخصية الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي.

والثاني يبدأ صباحه بحَمد وينهي يومه بالحمد الثاني.. وكان يقسم بـ (الحمدين). وهذان الشخصان لم يتحمّلا حالة الهيجان التي أفقدتهما مشاعر الحب لسورية، فمزّق كل واحد هويته وجواز سفره وتسلل إلى إحدى دول التحالف الإقليمي.. أغراه الدولار واعتبر نفسه شمعداناً يضيء الشاشات التي تروج الكذب وتزور الحقائق وترسم خرائط مستقبل سورية.. وشخصية ثالثة تتخذ موقفاً مع تغريد عصافير الصباح قبل شروق الشمس، وموقفاً آخر مغايراً للأول بعد الغروب بقليل. وآخر متَّهم بـ (ثبات الموقف)أعلن (انشقاقه) عن أسرته وشكّل فراراً بأجنحة مستعارة وبدأ يسطّر أوهامه، ويدبّج المقالات المسمومة في صحف نفطية معروفة في صناعة الفاسدين. فكان يعلن بالفم الملآن أنه مع تحرر المرأة ومساواتها مع الرجل..ولكن صديقه الذي يختلف معه اختلافاً جوهرياً حول تقويم الأزمة السورية وتقييمها، ومعرفة أسبابها الداخلية والخارجية، فاجأه بزيارة مسائية، ورأى ما رأى من زبد الكلام ولعلعة لسانه الناري الذي يبخّ شراً وهو يجلس على كرسي من القش، بينما زوجته كانت تغسل قدميه وتطبع قبلة على يده، وهو يبتسم ويتمتم بهمسات كأنها جمرات تحرق وجهه ولا تخدش ضميره، ثمَّ قام ورحَّب بصديقه وقال مبتسماً: هل تعلم أن بوس الأيدي ضحك على اللحى..!

وهناك مواقف مترجرجة تتدحرج من رأس صاحبها وتخرج مزهوَّة، يفوح منها عطر الكلام..ومن هذه المواقف ما يمكن أن أطلق عليها (هزَّات ارتدادية) مؤثرة ينتج عنها إتلاف الكثير من الخلايا الفاعلة في التغيير.. ووصف أصحاب هذه المواقف بـ(أن هناك من بدَّل رؤوسهم وغسل أدمغتهم) فانقلب بعضهم مئة وثمانين درجة، وتحول من (الماركسية إلى الشيشانية).

مواقف لا تُعدّ ولا تُحْصى.. وأسئلة بقيت دون أجوبة: لماذا هذا الكاتب أعلن بالفم الملآن على إحدى الفضائيات أنه رجل نادم على ماضيه (التقدمي)..وجدد الآن حياته والتحق بـ (الثوار)، وأرخى لحيته وحلق شاربيه وحمل سُبْحة طويلة وربما أصبح من تلامذة العرعور..!

إن هذه المواقف الغرائبية التي كانت تفاجئ الكثيرين مع بداية الأزمة السورية، أصبح من السهل الآن الإعلان عنها دون إحراج أو خوف..

تمت قراءته 494 مرات
المزيد في هذه الفئة : « ناي الغريب الفم الأعوج »